وكالة عمرة الإخبارية- في 11 أبريل/نيسان 2025، سقط مخيم زمزم، الواقع على بعد نحو 15 كيلومترًا شمال مدينة الفاشر في السودان، تحت سيطرة قوات الدعم السريع، عقب هجوم واسع استمر ثلاثة أيام، حوّل المخيم الذي كان يؤوي مئات الآلاف إلى ساحة للقتل والدمار، ودفع سكانه إلى الفرار بعد حصار نفدت خلاله المؤن واضطر بعضهم إلى تناول علف الحيوانات.
ويوثق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 1013 مدنيًا خلال الهجوم، بينهم 319 أُعدموا بإجراءات موجزة، بعضهم داخل منازلهم خلال عمليات تفتيش من منزل إلى آخر، وآخرون في السوق الرئيسية والمدارس والمرافق الصحية والمساجد.
كما وثق التقرير تعرض ما لا يقل عن 104 ناجين، بينهم 75 امرأة و26 فتاة و3 فتيان، معظمهم من قبيلة الزغاوة، لأشكال من العنف الجنسي شملت الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي، سواء أثناء الهجوم على المخيم أو على طرق الفرار منه.
وقبل الهجوم، كان الحصار قد أحكم قبضته على المخيم، إذ مُنعت السلع من الوصول إلى السكان، ونفدت المؤن تمامًا، ما اضطر الأهالي إلى تناول علف الحيوانات، بما في ذلك قشور الفول السوداني.
وتصف أم كلثوم علي صالح، وهي نازحة من زمزم، الأشهر التي سبقت الهجوم بأنها الأصعب، مشيرة إلى أن الحصار حال دون الدخول إلى المخيم والخروج منه، ومنع وصول السلع والإمدادات إلى سكانه. وتقول إنها كانت تخرج كل صباح بحثًا عن أي طعام لأطفالها، وشاهدت نساء يطبخن العشب ويخلطن الطين بالدقيق لصنع ما يشبه الخبز. وترى أن الحصار لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل مهّد لما حدث في نيسان 2025.
ويروي مختار موسى، أحد شهود ما جرى في المخيم، أنه عايش الأحداث قبل الحصار وخلاله وبعد الهجوم، وشهد تحول زمزم من مدينة تنبض بالحياة إلى مكان يعجز سكانه عن العثور على ما يسد رمقهم، ثم إلى ساحة تُقتل فيها العائلات وتُحرق المنازل.
وقبل أن يصبح عنوانًا للدمار، أُنشئ مخيم زمزم عام 2003 على مساحة رملية جنوب الفاشر، واستقبل أجيالًا من النازحين الذين فروا من الحرب الأولى في دارفور. وعلى مدى عشرين عامًا، كان المخيم أشبه بمدينة صغيرة مؤقتة؛ تفتح سوقه الرئيسية أبوابها يوميًا، ويفرش بائع الذرة بسطته مع أول خيوط الضوء، فيما يتوجه الأطفال إلى المدارس وتتجمع النساء عند البئر.
ولم يكن زمزم وحده في محيط الفاشر؛ فقد جاوره مخيم أبو شوك على أطراف المدينة، حيث عاش أكثر من 190 ألف نازح، وضم سوقًا خاصة عُرفت باسم «سوق نيفاشا». وإلى الشمال الشرقي من الفاشر، كان مخيم السلام يؤوي أكثر من 128 ألف نازح، لتشكل المخيمات الثلاثة معًا أكبر تجمع للنازحين في دارفور.
وفي أم درمان، يجلس حسن صابر جمعة، رئيس الإدارة العليا لمخيم زمزم، على كرسي خشبي بسيط داخل منزل صغير، محاولًا العثور في هاتفه على صورة واحدة للمخيم الذي كان يؤوي مئات الآلاف. لكنه لا يجد شيئًا؛ فقد نُهب هاتفه القديم أثناء الهجوم، وضاعت معه الصور التي التقطها على مدى عشرين عامًا.
ويقول جمعة إنه لم يبقَ لديه من المخيم سوى ما يحمله في ذاكرته وذاكرة من عاشوا فيه، مشيرًا إلى أن الجدران المحيطة به الآن فارغة، لأنه لم يعد يملك صورة واحدة يعلقها.