وكالة عمرة الإخبارية – د. ديمة أبوشرخ

ما بال منصات التواصل الاجتماعي تتشكل و تتلون و تتلوى لتخدم كلّا على حدا. و ما بال الشهادات تنهال هنا و هناك أمام عيناي؟ و ألحق الرّكب و أبدأ بالتقليد الأعمى…
أما اليوم، فوصلني بريد الكتروني غريب جدّا!

و ها هو نص الترجمة:
عزيزتي الدكتورة ديمة أبو شرخ،
أتمنى أن تجدك هذه الرسالة بخير.
نيابة عن اللجنة المنظمة، يسعدنا جداً دعوتك للمشاركة كمتحدثة أو عضوة في الهيئة التدريسية في المؤتمر العالمي لعلم الفلك والفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء (WCAAS-2027)، والذي سيعقد في الفترة من 23 إلى 25 أغسطس 2027 في برلين، ألمانيا.
إن خبرتك الأكاديمية و خلفيتك البحثية، وإسهاماتك في هذا المجال ستشكل إضافة قيمة لبرنامجنا العلمي. وسيكون من دواعي سرورنا وشرفنا أن تقدمي بحثك وتشاركي خبراتك مع جمهور دولي من الأكاديميين والباحثين والعلماء والمختصين.

يا الهي!
مؤتمر لعلم الفلك و الفيزياء الفلكية و علوم الفضاء؟؟؟ ما دخلي بكل هذا؟
أيعقل أنني وفي غفلة مني، قد اكتشفت ثقبا أسودا في مناهج التعليم؟ أو أنني قد كتبت بحثا عن تمدد الكون أثناء محاولتي فهم تمدد قائمة مهامي اليومي؟
أم أنّ النجوم قررت فجأة أن أكون ممثلة عنها؟

و هنا توقفت مع نفسي قليلا…. متى أصبح الانجاز سباقا؟ و متى تحولت الشهادات الى أوسمة نعلّقها على صدورنا الرقمية؟ و متى أصبحنا نحتاج الى تصفيق الغرباء كي نطمئن الى أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟

أفتح منصات التواصل الاجتماعي، فأجد صديقة قد حصلت على شهادة جديدة، وأخرى قد ألقت محاضرة في مؤتمر دولي، وثالثة قد نشرت كتابًا، ورابعة قد حصلت على جائزة، وخامسة قد أصبحت سفيرة لشيء لا أعرف ماهيته.

وأنا؟

أشعر فجأة بأنني متأخرة.

متأخرة عن ماذا؟ لا أعرف.

عن قطار لا أعرف محطته الأخيرة، ولا حتى إن كنت أريد ركوبه!

فأبدأ بالتفكير: ربما عليّ التسجيل في دورة جديدة، أو تقديم ورقة بحثية، أو الحصول على شهادة إضافية، أو الانضمام إلى شبكة دولية، أو تعلم لغة جديدة، أو ممارسة رياضة لم أسمع بها من قبل.

أركض.

أركض كي لا أبدو أقل من الآخرين.

أركض كي لا يقال إنني توقفت.

أركض حتى أنسى أنني كنت، في يوم من الأيام، أركض نحو شيء أحبّه.

وهنا تكمن المعضلة.

أن يصبح الإنجاز عبئًا بدلًا من أن يكون شغفًا. وأن تتحول الرغبة في التطور إلى خوف من السكون. وأن يصبح يوم الراحة يومًا ضائعًا، والهدوء علامة على التراجع، والإنجاز الشخصي الصغير أمرًا لا يستحق النشر ما لم يكن مصحوبًا بشهادة دولية وصورة أمام خلفية تحمل شعار مؤسسة مرموقة.

ماذا لو أنني، في هذا اليوم، لم أحقق أي إنجاز؟

ماذا لو اكتفيت بأن أحتسي قهوتي، وأقرأ كتابًا أحبّه، وأرسم لوحة لا يشتريها أحد، وأضحك مع أطفالي، وأتأمل السماء دون أن أبحث عن فرصة للتحدث في علم الفلك؟

هل سأكون أقل قيمة؟

هل ستتراجع مكانتي الأكاديمية إن لم أضف لقبًا جديدًا إلى اسمي؟

وهل عليّ أن أكون عظيمة في كل شيء، طوال الوقت، كي أستحق أن أكون أنا؟

ربما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الإنجاز.

ربما الإنجاز الحقيقي ليس في عدد الشهادات التي نحصل عليها، ولا في عدد المؤتمرات التي نشارك فيها، ولا في عدد المرات التي يذكر فيها اسمنا على منصات التكريم.

ربما الإنجاز هو أن نعيش حياة لا نحتاج فيها إلى إثبات قيمتنا كل صباح.

أن نختار ما يشبهنا، لا ما يثير إعجاب الآخرين.

أن ننجح في شيء واحد نحبه، بدلًا من أن نتشتت في عشرات الأشياء التي لا نريدها.

وأن نمتلك الشجاعة لنقول: لا، شكرًا، لست عالمة فيزياء فلكية، ولا أطمح إلى أن أكون.

أنا فقط انسانة….

وأظن أن هذا، في زمن جنون الإنجاز، قد يكون إنجازًا بحد ذاته.

أما المؤتمر… فأتمنى لهم التوفيق في اكتشافاتهم الكونية.

وأرجو ألّا يرسلوا لي دعوة أخرى للمشاركة في مؤتمر عن الهندسة الوراثية.

فأنا، حتى اللحظة، لم أتمكن من هندسة حياتي بالشكل الذي أريده….