وكالة عمرة الإخبارية – عبدالله نايف العبداللات
فقدت عشيرة العبداللات وعشائر السلط والبلقاء رجلًا من رجالاتها الذين جمعوا نبوغ العلم، وهيبة الموقف، وشرف المهنة، وصدق الانتماء للوطن؛ المهندس نائل حامد العبداللات، الذي خدم وطنه لعقود، وترك وراءه إرثًا مهنيًا وإنسانيًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
منذ سنواته الأولى، كان التميز عنوانًا لمسيرته؛ فقد كان من أوائل الطلبة في امتحان شهادة الثانوية العامة على مستوى الأردن وفلسطين، ثم قاده شغفه بالعلم إلى دراسة الهندسة في العراق، حيث كان الأول على لوحة شرف الكلية طوال سنوات دراسته، وتخرج عام 1968 مهندسًا بتفوق، ليكون أول مهندس في عشيرة العبداللات ومن أوائل خريجي الهندسة على مستوى السلط والبلقاء، كما كان الأول على دفعة هندسة الميكانيك في جامعة البصرة.
من الهندسة إلى بناء المؤسسة
بدأ حياته المهنية مهندسًا في أمانة عمّان، ثم انتقل إلى سلطة المياه والري، وكان من المساهمين في تأسيسها وبناء منظومة العمل الهندسي والإداري فيها.
وتجاوز دوره حدود الوظيفة التقليدية، فأسهم في وضع أسس المواصفات الهندسية والعقود، وشارك في تأسيس نظم وبروتوكولات إدارة دائرة العطاءات والمشتريات، وهي نظم استند إليها العمل في السلطة ووزارة المياه والري لسنوات طويلة.
وكان يؤمن بأن الهندسة أداة لخدمة الوطن وحماية موارده، فعمل على دعم الاقتصاد الوطني والصناعات الوطنية من خلال إلزام استخدام المنتجات المحلية في العطاءات الحكومية، كما أسهم بخبرته وحلوله الهندسية في توفير ملايين الدنانير في العطاءات الحكومية، انطلاقًا من إيمانه بأن كل قرار هندسي مسؤولية تجاه الوطن، وكل دينار من المال العام أمانة يجب أن يُصان.
رجل المؤسسة… ورجل الناس
عُرف بالأمانة والصدق والتفاني في العمل والعطاء الدائم، وبعلاقاته الإنسانية الراقية مع زملائه وموظفيه، حتى غدت هذه الصفات جزءًا من الإرث الذي تركه في المؤسسات التي عمل فيها.
وبعد 40 عامًا من خدمة الوطن بإخلاص وتفانٍ، حصل على الدرجة الخاصة تقديرًا لمسيرته المهنية وخدمته الطويلة في الدولة، كما مُنح جواز السفر الدبلوماسي تقديرًا لمسيرته الحافلة بالعطاء والمسؤولية الوطنية.
ذاكرة تحفظ التاريخ
لم يكن المهندس نائل مهندسًا وإداريًا فحسب، بل كان حافظًا وراويًا لتاريخ عشيرة العبداللات وتاريخ الأردن وعشائره، يحمل في ذاكرته تفاصيل واسعة عن الرجال والأحداث والأصول والأنساب والروايات التي تناقلتها الأجيال.
وكان شغفه بالمعرفة يتجاوز تخصصه الهندسي، فكان أشبه بموسوعة حية في العلوم والآداب والتاريخ والجغرافيا والسياسة والأديان والتقاليد والأنساب العشائرية، يمتلك قدرة لافتة على الربط بين المعلومة والتاريخ والمكان والإنسان.
إيمان مبكر بتعليم المرأة
ومن الجوانب اللافتة في شخصيته إيمانه المبكر بأهمية تعليم المرأة وتمكينها، وتشجيعه لذلك داخل العائلة وعلى مستوى محافظة البلقاء منذ 50 عامًا، مؤمنًا بأن تعليمها استثمار في الأسرة والمجتمع، وأن المعرفة طريق لبناء المستقبل والقدرة على العطاء.
على الصعيد العائلي
زوجته المربية الفاضلة والتربوية حياة موسى حمدان العبداللات، وكان له دور الملهم والداعم في تعليم إخوانه وأبنائه.
وهو والد كل من المرحوم شادي، والدكتور المهندس هاني، والدكتور الجراح محمد، ورولا، والمهندسة أمل، ودعاء، وشقيق كل من العميد المتقاعد أحمد عادل، والدكتور خالد، والدكتور نايف، والحاج عبدالله، والعميد المتقاعد المحامي محمد، والأستاذ عدنان، وشقيق المربيات الفاضلات نوفة، ونوال، ونجاح، والمرحومة يسرى، وجد نائل وراكان العبداللات.
إرث يتجاوز سنوات الخدمة
بعد 20 عامًا على تقاعده، بقي اسمه حاضرًا في المواقع التي عمل فيها، وبين من عرفوه وزاملوه، وبقيت سيرته مرتبطة بالقيم التي آمن بها ومارسها: الأمانة، والصدق، والتفاني، والعطاء.
لقد ترك أثرًا في العلم حين جعل التفوق نهجًا، وفي الهندسة حين سخّر معرفته لخدمة الوطن، وفي المؤسسة حين أسهم في بناء أنظمة استمرت بعده، وفي الاقتصاد الوطني حين دعم المنتج المحلي وأسهم في ترشيد الإنفاق الحكومي، وفي المجتمع حين آمن بالتعليم وتمكين المرأة، وفي الذاكرة الوطنية والعشائرية حين حفظ التاريخ وروى تفاصيله للأجيال.
لقد انتقل المهندس نائل حامد العبداللات إلى رحمة الله تعالى في شهر أيلول من عام 2026، محاطًا بعائلته، مؤمنًا صابرًا تقيًا نقيًا.
رجلٌ لم يكن حضوره مرتبطًا بمنصب، ولم ينتهِ أثره بالتقاعد؛ فبقي الاسم، وبقيت السيرة، وبقيت القيم.