وكالة عمرة الإخبارية – شيرين قسوس
يقف الأردن في محيط إقليمي مضطرب، تتشابك فيه التحديات الأمنية والفكرية، وتتزايد محاولات نشر التطرف وإثارة الفتن وزعزعة استقرار المجتمعات. وفي ظل هذه التحديات، لم تعد المواجهة مقتصرة على حماية الحدود وملاحقة التنظيمات المتطرفة، بل أصبحت تشمل أيضًا حماية الوعي الوطني وصون تماسك المجتمع في وجه الأفكار التي تسعى إلى تفكيكه أو بث الكراهية بين أبنائه.
فالتطرف لا يقتصر على السلوك العنيف، بل ينطلق من منظومة فكرية مغلقة تحتكر الحقيقة وترفض الاختلاف، وتصنف الناس بين مؤيد وخصم، وتنظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا ينبغي إقصاؤه. وقد تتغذى هذه الذهنية على العزلة والإحباط والشعور بالظلم أو الحاجة إلى الانتماء، فتتحول المظالم إلى أحقاد، والغضب إلى عداء، والاختلاف إلى خصومة. وتكمن خطورة هذا الفكر في أنه لا يبدأ بالضرورة بالعنف، بل قد ينطلق من فكرة إقصائية تتسلل إلى العقول قبل أن تتحول إلى سلوك يهدد المجتمع بأسره.
ومن هنا، تبرز أهمية الوعي المجتمعي بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب؛ فهو الذي يمكّن الأفراد من التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد المسؤول والتحريض، وبين حرية التعبير ومحاولات بث الكراهية. كما يتجلى في عدم الانسياق وراء الشائعات، والحذر من الخطابات المتطرفة التي تستغل الخلافات والأحداث لإثارة الشكوك وضرب الثقة بين المواطنين.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية في الأردن، الذي يشكل تنوع مكوناته الاجتماعية ومناطقه وأصول أبنائه رصيدًا وطنيًا يجب صونه من محاولات العبث والاستغلال. فالعشائر والمدن والقرى والمخيمات وسائر مكونات المجتمع تشكل نسيجًا وطنيًا واحدًا، لا مكان فيه للمناطقية أو الجهوية أو العصبيات الضيقة. ولا ينبغي أن يكون الاختلاف في الرأي أو الخلفية سببًا للتباعد، إذ تكمن قوة المجتمع في قدرته على إدارة اختلافاته بالحوار والاحترام، في إطار سيادة القانون والمواطنة المتساوية.
إن تماسك الأوطان لا تصونه القوة وحدها، بل يحميه وعي أبنائها وإدراكهم أن اختلافاتهم لا يجوز أن تتحول إلى أسباب للفرقة، وأن أمن الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة تتطلب تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والاعتبارات الضيقة.
وفي هذا الإطار، يبرز الالتفاف حول العرش الهاشمي باعتباره ركنًا دستوريًا راسخًا في الدولة الأردنية ومصدرًا من مصادر الاستقرار ووحدة المؤسسات. فالحفاظ على الدولة ومكانتها يتطلب الثقة بمؤسساتها، والتمسك بالدستور، وتعزيز روح الانتماء، والتصدي لمحاولات التشكيك والتحريض وجر المجتمع إلى صراعات داخلية لا تخدم إلا دعاة الفوضى.
ولا تقع مسؤولية مواجهة التطرف على الأجهزة الأمنية وحدها، رغم دورها المحوري في حماية الوطن، بل تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، وإلى كل مواطن يدرك أثر الكلمة في بناء الثقة أو فتح أبواب الفتنة. فالمجتمع الواعي لا يترك مساحة للكراهية كي تتجذر، ولا يسمح للشائعات بأن تتحول إلى حقائق راسخة في أذهان الناس.
إن المرحلة التي يمر بها الأردن تتطلب وعيًا بحجم التحديات، وإدراكًا بأن حماية الوطن تبدأ بصون وحدته الداخلية، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن الانتماء الوطني يعلو على كل اعتبار ضيق. فالأوطان التي يستند استقرارها إلى وعي أبنائها وثقتهم وتماسكهم تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مناعة أمام محاولات الاختراق والتفكيك.
وتبقى قوة الأردن في تماسك شعبه، ووعي أبنائه، وثبات مؤسساته، ووحدة موقفه في مواجهة كل فكر يسعى إلى زرع الفتنة أو تهديد أمنه واستقراره.
فالتطرف يبدأ بفكرة… وينتهي بالوعي.