وكالة عمرة الإخبارية – بقلم:عمر الدريني

ليس المواطن مطالبًا بأن يختار بين أن يكون آمنًا وأن يكون حرًا، فمن حقه أن يسير في الشارع مطمئنًا، وأن يجد مؤسسات قادرة على حمايته، ومن حقه في الوقت نفسه ألا يشعر بأن كرامته أو خصوصيته أو حريته أصبحت موضع شك لمجرد وجود إجراء أمني، هنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الدولة: أن تحمي المجتمع بكفاءة، وأن تمارس صلاحياتها ضمن حدود القانون.
عندما تقع حادثة عنيفة تمس رجل أمن أو تهدد سلامة الناس، يكون القلق مفهومًا، وتتعالى المطالب بتشديد الإجراءات، وقد يدفع الغضب بعض الأصوات إلى المطالبة بتوسيع القيود أو منح الجهات المختصة صلاحيات أوسع، لكن اللحظات التي يرتفع فيها منسوب الخوف هي نفسها التي تحتاج إلى قدر أكبر من التروي؛ لأن القرار الأمني لا ينبغي أن يصدر تحت ضغط الانفعال، وإنما بناءً على تقدير مهني لطبيعة الخطر، ومدى احتماله، والوسائل اللازمة للتعامل معه.
فليس كل تشديد دليلًا على قوة الاستجابة، كما أن كثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الحماية، قد يكون تنظيم الدخول إلى منشأة حساسة ضرورة لا غنى عنها، وقد يستدعي ظرف معين التحقق من هويات الداخلين أو تقييد الحركة في نطاق محدد، لكن هذه التدابير تفقد مبررها حين تتجاوز الحاجة التي استدعتها، أو تُطبّق بصورة انتقائية، أو تتحول إلى عبء دائم على الناس دون مراجعة لجدواها، المعيار هنا ليس شكل الإجراء ولا شدته، بل ضرورته وتناسبه ونتيجته.
والأمن والحقوق ليسا مسارين متعارضين كما يُصوَّر أحيانًا، فحق الإنسان في الحياة والسلامة يفرض على الدولة واجب الوقاية والحماية، واحترام الكرامة والخصوصية وحرية التعبير والتنقل يحدد الإطار القانوني والأخلاقي الذي تمارس فيه هذه المسؤولية، وحين يعرف المواطن أن الإجراء يستند إلى سبب واضح، وأنه يُطبّق على الجميع دون تمييز، وأن هناك جهة يمكن الرجوع إليها عند وقوع تجاوز، يصبح أكثر استعدادًا للتعاون، وأقل ميلًا إلى تفسير كل تدبير باعتباره استهدافًا أو تضييقًا.
وتظهر أهمية هذا التوازن في التفاصيل اليومية التي قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع صورة المؤسسة في ذهن المواطن، رجل يُطلب منه إبراز هويته، أو سائق يُوقف للتفتيش، أو زائر ينتظر عند مدخل منشأة؛ في كل حالة توجد صلاحيات ينبغي احترامها، وحقوق ينبغي صونها، طريقة التعامل، ووضوح التعليمات، واحترام الناس، وتفسير ما يمكن تفسيره من الإجراءات، ليست مجاملات إضافية، بل عناصر من جودة العمل الأمني نفسه، فالإجراء الصحيح قد تسيء طريقة تنفيذه إلى غايته، وقد تترك معاملة غير لائقة أثرًا يتجاوز الموقف العابر إلى ثقة المواطن بالمؤسسة.
ومن هنا، لا يكفي أن تصدر التعليمات؛ بل ينبغي أن تكون محددة ومفهومة، وأن يعرف العاملون الميدانيون حدود صلاحياتهم، وأن يتلقوا تدريبًا يوازن بين الحزم وحسن التعامل، كما تحتاج المؤسسات إلى قنوات واضحة لتلقي الشكاوى، وإلى مراجعة جدية لما يرد فيها، وإلى تصحيح الخلل متى ثبت، فالمساءلة لا تنتقص من هيبة المؤسسة، وإنما تحميها من أن تتحول الأخطاء الفردية إلى صورة عامة تضر بسمعتها.
وللخطاب الرسمي دور لا يقل أهمية عن الإجراء الميداني، فحين تتأخر المعلومات الدقيقة، أو تصدر التوضيحات بلغة ملتبسة، تجد الشائعات طريقها إلى الناس، ويتسع مجال التأويل والخوف، أما التواصل الواضح، الذي يشرح ما يمكن إعلانه من أسباب التدابير ومدتها ونطاقها، فيساعد الجمهور على فهم المطلوب منه، ويمنع تداول روايات غير موثوقة، ولا تعني الشفافية كشف ما قد يضر بسير التحقيق أو سلامة العمليات؛ إنما تعني ألا يُترك الناس أمام فراغ معلوماتي يمكن أن تملأه الإشاعة.
وفي المقابل، فإن صون الحقوق لا يعني التساهل مع الاعتداء أو تعطيل عمل الأجهزة المختصة، فاحترام القانون يقتضي تعاون الأفراد مع الإجراءات المشروعة، والإبلاغ عن مصادر الخطر، والامتناع عن عرقلة واجبات من يتولون حماية المجتمع، لكن هذا التعاون لا يلغي حق الإنسان في السؤال والشكوى واللجوء إلى القضاء، ولا يمنح أي جهة حصانة من المراجعة، فالصلاحية التي لا يضبطها القانون قد تنقلب من وسيلة للحماية إلى مصدر للضرر.
إن الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على فرض القيود وحدها، وإنما بقدرتها على معرفة متى تتخذ الإجراء، ولماذا تتخذه، ومتى تنتهي الحاجة إليه، نريد مؤسسات يقظة، ورجال أمن يؤدون واجبهم بثقة وكفاءة، وشوارع آمنة، ومواطنًا لا يخشى أن يُنتقص حقه وهو يطلب الحماية، وهذه المعادلة لا تتحقق بالشعارات، بل بقانون واضح، وتطبيق منصف، وتدريب مستمر، ومراجعة لا تستثني أحدًا.
فالأمن الذي يحترم الحقوق لا يضعف الدولة؛ إنه يمنح قوتها سببًا مشروعًا، ويجعل المواطن شريكًا في حمايتها لا مجرد متلقٍ لإجراءاتها.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان