وكالة عمرة الإخبارية – آلاء عوض
وفي المؤسسات التربوية، لا تُختزل القيادة في إدارة المهام، ومتابعة الخطط، واتخاذ القرارات؛ فخلف كل قرار إنسان، وخلف كل مهمة فريق، وخلف كل مسؤولية فرصة لأن نصنع فرقًا يتجاوز حدود العمل إلى ما هو أبقى: أثرٌ في النفوس.
ولأن القيادة الحقيقية لا تُعرَف بما يُقال عنها، بل بما تتركه من أثر فيمن حولها، فإن بعض الشخصيات التربوية تقدم نموذجًا حيًا لهذا المعنى، حين تجمع بين المسؤولية الإدارية، والوعي التربوي، والحضور الإنساني.
ومن النماذج التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق، الدكتورة إيمان عبد الجواد الطهراوي، مديرة مديرية التربية والتعليم للواء قصبة عمّان؛ بوصفها شخصية تربوية تحمل مسؤولية موقعها، وتقدم في مواقفها اليومية صورة تستحق التأمل في معنى القيادة حين تتجاوز حدود المنصب، لتصبح ممارسةً إنسانيةً وأثرًا تربويًا.
فالقيادة الإنسانية تبدأ من التفاصيل التي قد تبدو عابرة؛ من كلمة تُقال في وقتها، ومن تقدير لجهد ربما لم يلتفت إليه أحد، ومن إنصات يشعر معه الإنسان أن صوته مسموع، وأن حضوره مهم، وأن ما يقدمه ليس مجرد واجب يؤديه، بل قيمة تُرى وتُقدَّر.
وربما لا تحتاج صناعة الأثر دائمًا إلى قرارات كبيرة أو مبادرات استثنائية؛ ففي كثير من الأحيان، يصنع الإنسان أثره من موقف صغير، أو كلمة صادقة، أو مساحة يمنحها للآخر كي يتحدث، أو ثقة يضعها في مكانها الصحيح.
فالإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة مما قيل له، لكنه نادرًا ما ينسى كيف جُعل يشعر.
التربية… مؤسسة رسالتها الإنسان
وفي المؤسسات التربوية تحديدًا، تصبح القيادة الإنسانية أكثر من قيمة أخلاقية؛ إنها جزء من جوهر الرسالة.
فالتربية ليست منظومة من المناهج والبرامج والتعليمات فحسب، بل منظومة إنسانية تُعنى ببناء الإنسان، وتشكيل وعيه، وإطلاق قدراته، وتهيئة البيئة التي تمكنه من التعلم والنمو والعطاء.
ووزارة التربية والتعليم، بما تمثله من مؤسسة وطنية تضطلع بمسؤولية بناء الأجيال، لا تقتصر رسالتها على إدارة المدارس والبرامج والمناهج، وإنما تمتد إلى تمكين المعلم، ودعم العاملين في الميدان التربوي، وتعزيز جودة البيئة التعليمية، والأهم من ذلك كله: أن يبقى الإنسان في قلب العملية التربوية.
ومن هنا، فإن نجاح المؤسسة لا يُقاس فقط بما تنجزه من خطط، أو تطبقه من تعليمات، أو تحققه من مؤشرات؛ بل أيضًا بما تتركه من شعور لدى الإنسان الذي يعمل فيها ويتعامل معها.
فالمعلم يحتاج إلى من يرى جهده.
والموظف يحتاج إلى من يحترم دوره.
والطالب يحتاج إلى من يسمعه، ويحتويه، ويؤمن بقدرته.
وحين يجد كل واحد من هؤلاء مساحة من التقدير والاحترام والثقة، تصبح بيئة العمل أكثر إنسانية، ويصبح العطاء أكثر صدقًا، وينعكس ذلك في النهاية على جوهر العملية التعليمية وغايتها.
القيادة… حين تتحول المسؤولية إلى أثر
إن الحديث عن الدكتورة إيمان الطهراوي في هذا السياق لا يأتي بوصفه حديثًا عن منصب أو مسمى وظيفي، وإنما عن شخصية تربوية يمكن أن تُقرأ من خلالها قيمة القيادة الإنسانية في الميدان التربوي.
فالقيادة الإنسانية لا تعني إغفال الجانب الإداري، ولا التقليل من أهمية الأنظمة والتعليمات، ولا تجاوز الصلاحيات والمسؤوليات؛ فالمؤسسة تحتاج إلى الحزم، والقرار يحتاج إلى مسؤولية، والعمل يحتاج إلى انضباط.
لكن القيمة الحقيقية تظهر في الطريقة التي تُمارَس بها المسؤولية.
يمكن للقائد أن يكون حازمًا دون أن يكون قاسيًا، وأن يكون واضحًا دون أن يكون جارحًا، وأن يتخذ قرارًا قد لا يرضي الجميع، لكنه يظل قادرًا على إيصاله باحترام وإنصاف.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين السلطة بوصفها صلاحية، والقيادة بوصفها أثرًا.
فالقيادة لا تُقاس فقط بما يستطيع المسؤول أن يقرره، وإنما أيضًا بالطريقة التي يجعل بها الآخرين يشعرون وهم يتعاملون مع قراراته.
الطالب… حيث تلتقي كل الجهود
وفي نهاية الطريق، يبقى الطالب هو الغاية التي ينبغي أن تلتقي عندها كل الجهود.
فالمعلم لا يعلّم من أجل المنهج وحده، والموظف لا يؤدي دوره من أجل الإجراءات وحدها، والمؤسسة لا تطور برامجها من أجل الأرقام وحدها؛ بل لأن خلف كل ذلك طالبًا يحتاج إلى تعليم أكثر فاعلية، وبيئة أكثر احتواءً، وفرص أوسع للنمو والنجاح.
فالطالب ليس متلقيًا للمعلومة فحسب، بل محور العملية التعليمية وغايتها.
وحين يشعر المعلم بالتقدير، يصبح أكثر قدرة على العطاء.
وحين يشعر الموظف بأن دوره محل احترام، يصبح أكثر انتماءً إلى ما يفعل.
وحين يشعر الطالب بالأمان والاهتمام والثقة، يصبح أكثر استعدادًا للتعلم، وأكثر إيمانًا بقدرته على النجاح.
وهكذا، قد تبدأ القيادة من طريقة التعامل مع فرد داخل المؤسسة، لكن أثرها يمكن أن يمتد إلى صف كامل، ومدرسة كاملة، وربما إلى طالب يحمل ذلك الأثر معه سنوات طويلة.
الحزم لا يتعارض مع الإنسانية
ومن المهم أن ندرك أن القيادة الإنسانية لا تعني التساهل، ولا غياب الحزم، ولا البحث عن رضا الجميع.
فالقيادة الحقيقية هي القدرة على الجمع بين الحزم والرحمة، والمسؤولية والاحترام، والعدالة والإنسانية.
ليس المطلوب أن تكون جميع القرارات مريحة للجميع، وإنما أن تكون مسؤولة وعادلة، وأن تُمارَس بروح تحفظ للإنسان كرامته.
فقد يكون القرار صعبًا، لكن طريقة تقديمه يمكن أن تكون كريمة.
وقد يكون الموقف حاسمًا، لكن أسلوب التعامل يمكن أن يبقى إنسانيًا.
وهنا يكمن الفرق؛ فالناس لا يتذكرون القرار وحده، بل يتذكرون الطريقة التي وصل بها القرار إليهم.
ما يبقى في الذاكرة
تنتهي المسؤوليات، وتتغير المناصب، وتتبدل المواقع، وتبقى القرارات جزءًا من سجل المؤسسة.
لكن شيئًا آخر يبقى… أكثر دفئًا، وأكثر رسوخًا في الذاكرة.
يبقى شعور الإنسان بأنه كان مرئيًا.
وأنه كان مسموعًا.
وأن جهده لم يكن عابرًا.
وأن هناك من آمن بقدرته في لحظة كان يحتاج فيها إلى من يؤمن به.
كم من معلم استعاد ثقته بنفسه بسبب كلمة تقدير؟
وكم من موظف بذل جهدًا إضافيًا لأنه شعر أن عمله محل احترام؟
وكم من طالب تغيرت نظرته إلى نفسه لأن شخصًا منحه الثقة وأشعره بأنه قادر على النجاح؟
هذه التفاصيل قد لا تُسجل في التقارير، ولا تظهر في الجداول، ولا تُقاس بالأرقام؛ لكنها تصنع شيئًا بالغ الأهمية: الانتماء، والدافعية، والثقة، والرغبة في العطاء.
القيادة التي تصنع الفرق
إن تطوير التعليم لا يبدأ من المناهج والبرامج وحدها، بل يبدأ أيضًا من الإنسان الذي يحمل هذه الرسالة ويؤمن بها.
فالأنظمة مهما بلغت دقتها، تحتاج إلى إنسان يطبقها بوعي.
والبرامج مهما بلغت جودتها، تحتاج إلى معلم يؤمن بها.
والمدرسة مهما اكتملت إمكاناتها، تحتاج إلى بيئة يشعر فيها الطالب بالأمان والانتماء.
ولهذا، فإن القيادة التي تضع الإنسان في قلب مسؤوليتها لا تصنع بيئة عمل أفضل فحسب؛ بل تساهم في صناعة تعليم أفضل، ومجتمع أكثر قدرة على النمو.
وفي النهاية، ليست قيمة القيادة في عدد القرارات التي تُتخذ، ولا في حجم الصلاحيات التي يمتلكها المسؤول، ولا في اتساع مساحة السلطة؛ وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي الموقف، وفي الإنسان الذي يغادر المكان وهو أكثر ثقة بنفسه، وأكثر إيمانًا بقيمته، وأكثر رغبة في أن يعطي.
قد تمر المناصب.
وقد تتغير المواقع.
وقد تنتهي المسؤوليات.
لكن الإنسان يتذكر دائمًا كيف عومل، ومن منحه الاحترام، ومن رأى فيه قيمة قبل أن يرى فيه مجرد دور وظيفي.
وهنا تتجلى واحدة من أسمى صور القيادة:
أن تنجح في مهمتك، دون أن تفقد إنسانيتك في الطريق.
فحين تكون القيادة إنسانية…
يصنع الأثر فرقًا.

