وكالة عمرة الإخبارية – مهدي جاسم
لم يعد التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على المساحات الجغرافية التقليدية أو الموارد الطبيعية، بل امتد ليشمل ما يُعرف بـ “السيادة التكنولوجية” والنفوذ الرقمي. ومع التسارع الهائل في ابتكار خوارزميات الذكاء الاصطناعي وبنيتها التحتية المتقدمة، يُعاد تشكيل النظام العالمي وفق موازين قوة جديدة تعتمد بالأساس على مدى امتلاك الدول للتقنيات الفائقة ومراكز البيانات وقدرات المعالجة الضخمة.
تتجلى أولى أبعاد هذا المحور في اتساع الفجوة التقنية بين القوى الكبرى والناشئة؛ إذ تحتكر عدد محدود من الدول والشركات العابرة للحدود البنية التحتية الأساسية والرقائق الإلكترونية المتقدمة. هذا التركّز التكنولوجي يخلق حالة من “التبعية الرقمية” لدى المجتمعات والأنظمة التي تعتمد بالكامل على استيراد هذه الحلول وتطبيقها دون المشاركة في صياغتها أو تطويرها، مما يمس بشكل مباشر بالاستقلالية الاقتصادية والقدرة على اتخاذ القرار المحلي المستقل.
وعلى جانب آخر، تفرض هذه التحولات إعادة صياغة لمفهوم الأمن القومي الشامل. لم تعد المخاطر تقتصر على الهجمات السيبرانية المباشرة، بل تمتد إلى احتمالية التحكم في خوارزميات التوجيه، وإدارة الإمدادات الحيوية، وتوجيه الاقتصاد الوطني عبر منصات خارج السيطرة الوطنية. إن غياب تشريعات دولية ملزمة تنظم استخدام وتصدير التقنيات الذكية يضع الدول النامية أمام تحدي الحفاظ على أمن بياناتها وسيادتها المعلوماتية وسط تجاذبات القوى التكنولوجية العظمى.
تتطلب هذه المرحلة الراهنة رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد استهلاك التكنولوجيا إلى الاستثمار في التوطين الرقمي وتطوير الكفاءات المحلية. إن بناء التحالفات الإقليمية وصياغة أطر تنظيمة مشتركة يمثل الخيار الأمثل لتقليل الفجوة التقنية، وضمان ألا تتحول الثورة الرقمية إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج التفاوت بين الأمم، بل منصة لتحقيق تعايش متوازن يضمن صون السيادة الوطنية لجميع الأطراف.