وكالة عمرة الإخبارية – مهدي جاسم
تجاوز تأثير التحول التكنولوجي الراهن مجرد تطوير الأدوات اليومية لتحسين الإنتاجية؛ إذ يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويطرح مفاهيم جديدة لـ “المواطنة الرقمية” في عالم تتداخل فيه حدود الواقع الافتراضي بالواقع المادي. وفي ظل التواجد المستمر عبر المنصات الرقمية، أصبحت الهوية الشخصية نتاجاً لتفاعلات مستمرة بين السلوك البشري وتحليلات الخوارزميات.
تظهر أولى أبعاد هذا المحور في تشكل ما يُعرف بـ “الهوية التنبؤية”؛ حيث تقوم الأنظمة الذكية بتحديد اهتمامات الأفراد، وتوجيه خياراتهم السياسية والفكرية والاستهلاكية بناءً على تحليل سلوكهم الرقمي السابق. هذا التوجيه المسبق يضع الأفراد داخل ما يسمى “بفقاعات الترشيح”، مما يحد من التعرض لوجهات النظر المختلفة ويقلل من استقلالية القرار الفردي، ليتحول المستخدم تدريجياً من صانع للقرار إلى متلقٍ لمخرجات خوارزمية مُصممة لخدمة غايات تسويقية أو توجيهية.
وعلى صعيد آخر، تطرح هذه التطورات تحديات جديدة تتصل بمفهوم العدالة والشمول الرقمي؛ إذ يعتمد الوصول إلى الموارد والفرص الاقتصادية والتعليمية المتطورة بشكل متزايد على مدى قدرة الأفراد والمجتمعات على امتلاك الأدوات والمهارات التكنولوجية الحديثة. إن اتساع الفجوة الرقمية بين من يملكون التقنية ومن يفتقرون إليها يهدد بإنشاء مستويات تفاوت جديدة داخل المجتمع، مما يستوجب إعادة النظر في مفهوم “حقوق المواطنة” لتشمل الحق في الوصول العادل للمعرفة والأدوات الرقمية دون تمييز.
تستدعي هذه التحولات العميقة صياغة عقد اجتماعي رقمي جديد، يُحدد الحقوق والواجبات في الفضاء الإلكتروني ويوفر الحماية الفكرية والشخصية للأفراد. إن الحفاظ على استقلالية الهوية الإنسانية في عصر الخوارزميات يتطلب تعزيز الوعي الرقمي وتطوير تشريعات تضمن شمولية التطور التكنولوجي، لتبقى التقنية مساحة لتعزيز حرية التفكير والتعبير، لا قيداً يُعيد صياغة الوعي البشري وفق معادلات صماء.