وكالة عمرة الإخبارية – بقلم عمر الدريني

​لم تعد كفاءة الدولة الحديثة تُقاس بضخامة مؤسساتها ولا بتعدد نوافذها الإدارية، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن بأقل وقت وأعلى فاعلية، من هنا يبرز التحول الرقمي في الأردن بوصفه إعادة صياغة جوهرية للعلاقة بين الفرد ومؤسساته؛ حيث يتصدر تطبيق «سند» هذه الصورة باعتباره منصة شاملة للهوية والوثائق والخدمات الحكومية، متجاوزاً حاجز 2.6 مليون هوية رقمية مفعّلة في آب 2026. وتتجسد القيمة الحقيقية للمشروع في تأدية التكنولوجيا لوظيفتها الاجتماعية الأسمى: توفير الوقت والجهد وصون كرامة الإنسان.
​تكمن الرؤية الأعمق لتطبيق «سند» في قلب المعادلة الإدارية التقليدية؛ فبدلاً من إهدار ساعات في الطريق والطوابير، تصبح الخدمة هي التي ترافق المواطن وتلبي احتياجاته في أي وقت ومكان، وقد تحولت الهوية عبر التطبيق من مجرد بطاقة بلاستيكية إلى بوابة تتضمن البطاقات الشخصية، والرخص، والشهادات التعليمية، والوثائق الرسمية القابلة للتحقق. غير أن نجاح هذا التحول لا يتوقف عند راحة الاستخدام، بل يرتكز على ثلاثة أركان متلازمة: الثقة، والأمان، والاعتراف القانوني المطلق بالوثائق الرقمية.
​على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، يُعد اختصار زمن المعاملات مكسباً كبيراً لرفع جودة الحياة وتخفيف الضغط عن المؤسسات والطرقات. لكن الدولة الرقمية الحقيقية لا تعني مجرد نقل الورقة إلى شاشة الهاتف، بل تقتضي إعادة هندسة الإجراءات الحكومية من جذورها عبر الربط التكاملي الآمن بين المؤسسات، وإلغاء طلب البيانات الموجودة أصلًا لدى الدولة، كما تظل “العدالة الرقمية” شرطاً رئيساً لضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى عائق أمام الفئات الأقل مهارة ككبار السن، مما يستوجب الاستمرار في التوعية والتدريب.
​إن الرهان المستقبلي يتجاوز إضافة الخدمات المساندة نحو الانتقال من «الخدمة عند الطلب» إلى «الخدمة الاستباقية» التي تتوقع احتياجات المواطن وتنجزها تلقائياً، ليغدو «سند» اختباراً عملياً لقدرة الدولة على تقليل المشقة وزيادة الشفافية، مؤكداً أن التكنولوجيا ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة غايتها الأسمى أن يشعر الأردني بأن دولته أضحت أقرب إليه من أي وقت مضى.