وكالة عمرة الإخبارية – الدكتور معاذ وليد أبو دلو

لم يعد التحدي الذي يواجه المشروع الوطني الفلسطيني مقتصرًا على فرص التفاوض وإقامة الدولة الفلسطينية، بل بات يتعلق، بصورة أكثر إلحاحًا، بكيفية الحفاظ على الأرض التي يفترض أن تقوم عليها هذه الدولة، في ظل التوسع الاستيطاني والإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف تغيير الواقع القائم على الأرض، وتمس الهوية الفلسطينية والعربية.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والسياسات التوسعية التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية اليمينية، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معضلة تتجاوز حدود المواقف السياسية والتصريحات الدولية. وقد تتراجع حدة بعض هذه السياسات، أو يتأخر تنفيذها، تبعًا لتركيبة الحكومة الإسرائيلية المقبلة بعد نتائج انتخابات الكنيست، لكن ذلك لا يبدد التحدي الأساسي المتمثل في تآكل المساحات الجغرافية الفلسطينية وتراجع فرص إقامة دولة متصلة وقابلة للحياة.

فبعد أن كان الحديث يدور حول تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، تركزت الجهود السياسية لاحقًا على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967. أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن حماية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، ولا سيما مناطق «أ» و«ب» في الضفة الغربية، في ظل التوسع الاستيطاني وتزايد القيود على الحركة وتجزئة الأرض؟

وقد تمسكت الدول العربية بحل الدولتين باعتباره الإطار السياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وشكلت مبادرة السلام العربية، التي أقرت في قمة بيروت عام 2002، محطة مهمة في هذا المسار. إذ طرحت المبادرة تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل مقابل انسحاب الأخيرة من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفقًا للمرجعيات الدولية ذات الصلة.

لكن المتغيرات التي شهدتها المنطقة تفرض تساؤلات جدية حول مدى قدرة المبادرة على تحقيق أهدافها، في ظل حالة الانقسام العربي، واتساع الاستيطان، وتراجع فرص التسوية، إلى جانب الانقسام الفلسطيني وضعف القدرة على بلورة موقف وطني موحد وفاعل.

وتبرز هنا معادلة أساسية: كيف يمكن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على أرض تتآكل مساحتها وتتقطع أوصالها؟

فحل الدولتين لا يتحقق بمجرد إعلان سياسي أو تبني موقف دبلوماسي، بل يحتاج إلى إقليم متصل جغرافيًا، وسيادة فعلية، وقدرة على إدارة الحدود والموارد، ومؤسسات وطنية فاعلة. ومع استمرار التوسع الاستيطاني، وإنشاء الطرق التي تربط المستوطنات، وتزايد القيود على الحركة، تتحول الأراضي الفلسطينية تدريجيًا إلى تجمعات متباعدة وكنتونات منفصلة، ما يجعل إقامة دولة متصلة وقابلة للحياة أكثر تعقيدًا. ولا يمكن فصل هذه التحديات عن التحولات الإنسانية والسياسية والأمنية العميقة التي شهدتها الضفة الغربية وقطاع غزة.

وعلى المستوى الدولي، لا تزال مواقف معلنة عديدة تؤكد ضرورة حل الدولتين بوصفه إطارًا لتحقيق السلام والاستقرار، إلا أن الفجوة بين التصريحات والممارسة العملية تظل موضع تساؤل. فالدعوة إلى السلام لا تحقق غاياتها ما لم تترجم إلى خطوات ملموسة، تشمل وقف الإجراءات التي تقوض فرص التسوية، ومحاسبة من ينتهك القانون الدولي، واستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بصورة جادة.

وفي المقابل، يواجه الداخل الفلسطيني تحديات تتصل بالانقسام السياسي، وضعف التمثيل الموحد، وتراجع القدرة على التأثير في مسار الأحداث. كما يشهد المشهد الإسرائيلي تصاعدًا في المواقف الرافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ما يضيق مساحة التوافق السياسي ويجعل الوصول إلى أي تسوية أكثر صعوبة. أما الموقف العربي، فينبغي أن يحافظ على ثباته وألا تتباين النوايا والمواقف بين أطرافه.

وفي خضم هذه المعادلات، بدأ يبرز، في النقاشات السياسية والفكرية، طرح حل الدولة الواحدة باعتباره أحد التصورات المطروحة لمستقبل الصراع. غير أن هذا الخيار يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية: هل يمثل بديلًا عمليًا لحل الدولتين؟ وما طبيعة الدولة المقترحة والأسس الدستورية والقانونية التي ستقوم عليها؟ وكيف يمكن ضمان المساواة الكاملة في الحقوق السياسية والمدنية، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بعيدًا عن التمييز أو فرض واقع سياسي على حساب طرف لمصلحة آخر؟

فالدولة الواحدة ليست مجرد صيغة جغرافية تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين في كيان واحد، بل مشروع سياسي وقانوني معقد، تتوقف قابليته للحياة على طبيعة النظام الدستوري، وشكل المواطنة، وضمان الحقوق والحريات، وتحقيق المساواة أمام القانون.

ومن هنا، لا تكمن القضية في استبدال شعار سياسي بآخر، وإنما في تحديد المسار الذي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية ويحول دون تكريس واقع الاحتلال والتجزئة. فإذا أريد لحل الدولتين أن يبقى خيارًا قابلًا للتطبيق، فلا بد من الانتقال من البيانات والمؤتمرات إلى آلية دولية واضحة، تتضمن التزامات محددة وجدولًا زمنيًا قابلًا للقياس، يضمن وقف التوسع الاستيطاني، ويحول دون ضم الأراضي أو تغيير وضعها القانوني، ويحمي وحدة الأراضي الفلسطينية، ويدعم قيام دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

إن المرحلة الراهنة تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تتحول الدعوات المتكررة إلى حل الدولتين إلى خطوات عملية تحمي الأرض والحقوق وتفتح أفقًا سياسيًا جديًا، وإما أن يستمر اتساع الفجوة بين المواقف المعلنة والواقع العملي، بما يعمق الشكوك حول إمكانية الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة.

فحماية الأرض الفلسطينية ليست مسألة تفاوضية يمكن تأجيلها، بل شرط أساسي لأي تسوية مستقبلية. وإذا كان العالم لا يزال يتمسك بحل الدولتين، فعليه أن يثبت أن هذا التمسك يتجاوز حدود الخطاب، وأنه مستعد لاتخاذ خطوات عملية تحول دون تقويضه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجهه المجتمع الدولي اليوم لم يعد فقط: كيف نحقق حل الدولتين؟ بل أيضًا: كيف نحمي مقوماته على الأرض قبل أن يصبح الحديث عنه مجرد تمسك بحل لم تعد تتوافر له شروط التطبيق؟