وكالة عمرة الإخبارية- تبدأ الثلاثاء انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في استحقاق يتنافس خلاله الحزبان الجمهوري والديمقراطي على السيطرة على الكونغرس، وسط إنفاق انتخابي مرشح لتسجيل مستوى قياسي، ومشاركة واسعة في التصويت المبكر، في اختبار سياسي للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري الذي يسيطر حاليًا على مجلسي النواب والشيوخ.
وتجرى هذه الانتخابات في منتصف الولاية الرئاسية التي تمتد لأربع سنوات، ولا تشمل اختيار رئيس للبلاد، لكنها تمنح الناخبين فرصة لتقييم أداء الرئيس، وقد تدفع نتائجها البيت الأبيض إلى تعديل مساره السياسي إذا تعرض الحزب الحاكم لخسائر كبيرة، وفق تقرير لوكالة رويترز.
وأدلى أكثر من 57 مليون أميركي بأصواتهم حتى الاثنين، بحسب مختبر الانتخابات التابع لجامعة فلوريدا، متجاوزين عدد المشاركين في التصويت المبكر خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، الذي بلغ 46 مليون ناخب. ورغم اتساع المشاركة المبكرة، فإن هذه الانتخابات تسجل عادة إقبالًا أقل مقارنة بالانتخابات الرئاسية، التي شارك فيها أكثر من 155 مليون ناخب عام 2024.
وتتجه كلفة الحملات الانتخابية إلى تسجيل مستوى قياسي؛ إذ تشير تقديرات منظمة «أوبن سيكرتس» غير الحزبية إلى أن إجمالي إنفاق المرشحين والجماعات السياسية الخارجية سيبلغ 11.9 مليار دولار، ما يجعل هذه الانتخابات الأكثر تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة. وأظهرت سجلات تمويل الحملات أن الملياردير إيلون ماسك أنفق وحده نحو 366 مليون دولار لدعم الجمهوريين، حتى قبل ثلاثة أسابيع من موعد الانتخابات.
معركة السيطرة على الكونغرس
يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع الأغلبية من الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، في انتخابات قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل الكونغرس خلال النصف الثاني من ولاية ترامب.
ويمتلك الجمهوريون حاليًا 218 مقعدًا في مجلس النواب، مقابل 214 مقعدًا للديمقراطيين، مع وجود مقعدين شاغرين وعضو مستقل واحد يصوت عادة إلى جانب الجمهوريين. ويحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية لتحقيق الأغلبية في المجلس.
وفي مجلس الشيوخ، تبلغ الأغلبية الجمهورية 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين، الذين يحتاجون إلى أربعة مقاعد إضافية للسيطرة عليه. وقد تحسم عشر دوائر انتخابية، من بينها دوائر في ولايتي كانساس وتكساس، مآل المنافسة على السيطرة على الكونغرس.
اختبار سياسي لترامب قبل انتخابات 2028
تمثل انتخابات التجديد النصفي عادة تحديًا للحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض أو الكونغرس، وهو ما يضع ترامب والجمهوريين أمام اختبار سياسي في ظل سيطرتهم على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وقد تقدم نتائج الانتخابات مؤشرات للمرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، بشأن القضايا والرسائل السياسية الأكثر تأثيرًا في توجهات الناخبين، فيما قد تدفع الخسائر الكبيرة الحزب الحاكم إلى مراجعة مساره خلال الفترة المتبقية من الولاية.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع مؤسسة إبسوس في أيلول الماضي تراجع نسبة التأييد لأداء ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى مسجل له.
الاقتصاد والهجرة في صلب خيارات الناخبين
تعد القضايا الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار المستهلكين وتكاليف المعيشة، من العوامل التي يرجح أن تؤثر في نتائج العديد من السباقات الانتخابية، وقد تؤدي إلى تراجع الدعم للجمهوريين.
وتشير دلائل إلى أن الناخبين الديمقراطيين أكثر حماسة للمشاركة هذا العام مقارنة بالجمهوريين، فيما قد يعكس استمرار اتجاهات التصويت المبكر الحالية تقدمًا للديمقراطيين.
كما تظهر مؤشرات احتمال عودة بعض الناخبين من أصول لاتينية، ممن مالوا إلى دعم ترامب في انتخابات 2024، إلى تأييد الديمقراطيين، نتيجة الإحباط من الأوضاع الاقتصادية وبعض الأساليب التي يتبعها ترامب في تنفيذ سياسات الهجرة.
لكن تحقيق الديمقراطيين فوزًا واسعًا ليس مضمونًا، إذ قد يستفيد الجمهوريون من استمرار شكوك بعض الناخبين تجاه الحزب الديمقراطي، وتفوقهم في الإنفاق على الحملات الانتخابية. كما قد تسهم مخاوف الناخبين المعتدلين من فوز بعض المرشحين اليساريين في الانتخابات التمهيدية في تعزيز فرص الجمهوريين في عدد من السباقات.
كيف غيّرت انتخابات سابقة موازين القوى؟
تظهر التجارب الانتخابية السابقة قدرة انتخابات التجديد النصفي على إحداث تغييرات كبيرة في موازين القوى السياسية داخل الولايات المتحدة.
ففي انتخابات عام 2010، خلال رئاسة الديمقراطي باراك أوباما، حقق الجمهوريون مكاسب بلغت 63 مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب، في ظل ضعف أداء الاقتصاد الأميركي وتراجع التأييد لخطة أوباما لإصلاح نظام الرعاية الصحية. وأدت النتائج إلى فقدان الديمقراطيين أغلبيتهم في مجلس النواب، لكنهم احتفظوا بالسيطرة على مجلس الشيوخ رغم خسارتهم ستة مقاعد.
ووصف أوباما آنذاك الصعود الجمهوري بأنه «هزيمة ساحقة»، قبل أن يواجه مطالب جمهورية بإجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق الحكومي غير الدفاعي.
وفي انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، خلال ولاية ترامب الأولى، تمكن الديمقراطيون من الفوز بأربعين مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب، مقابل خسارتهم مقعدين في مجلس الشيوخ.
انتخابات حكام الولايات والمجالس التشريعية
تشمل انتخابات الثلاثاء سباقات على مناصب حكام الولايات في 39 ولاية من أصل 50، إلى جانب انتخابات لمقاعد الهيئات التشريعية على مستوى الولايات في أنحاء البلاد.
ووفقًا لموقع «بالوتبيديا»، يسيطر الجمهوريون حاليًا على 55% من مقاعد المجالس التشريعية في الولايات، مقابل 43.8% للديمقراطيين. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية في تحديد موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية المحلية، بالتوازي مع المنافسة على الأغلبية في الكونغرس.
من سيتولى رئاسة مجلس النواب؟
إذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع أغلبية مجلس النواب، فمن المرجح أن يتولى زعيمهم الحالي في المجلس، النائب عن ولاية نيويورك حكيم جيفريز، منصب رئيس المجلس، ليصبح أول أميركي من أصول أفريقية يتولى هذا المنصب، الذي يأتي في المرتبة الثانية في ترتيب خلافة الرئيس الأميركي بعد نائب الرئيس.
وستتيح السيطرة الديمقراطية على المجلس لجيفريز توجيه لجانه لفتح تحقيقات تتعلق بأنشطة مثيرة للجدل مرتبطة بترامب ومقربين منه. وكان جيفريز قد كرر تعهد الديمقراطيين بالتدقيق فيما وصفها بأنها «مستويات غير مسبوقة من الفساد» خلال إدارة ترامب.
كما سيتولى قيادة جهود حزبه لتمرير أولوياته التشريعية، التي قال إنها ستركز على خفض تكاليف الرعاية الصحية والغذاء والسكن والطاقة وغيرها من نفقات المعيشة.
أما إذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم، فستبقى رئاسة مجلس النواب بأيديهم، سواء استمر رئيس المجلس الحالي مايك جونسون في منصبه أو فاز بالمنصب جمهوري آخر في حال واجه جونسون تحديًا على رئاسة المجلس.
ومن المرجح أن تشمل أولويات الجمهوريين إجراء مزيد من التخفيضات الضريبية، وزيادات كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وتقليص برامج شبكات الأمان الاجتماعي، استكمالًا للإجراءات التي تضمنها مشروع قانون ترامب لعام 2025 المعروف باسم «القانون الكبير الجميل».
أبرز السباقات الانتخابية
تتركز الأنظار على عدد من الدوائر الانتخابية المتنافس عليها بشدة، من بينها دائرة في ولاية نيويورك يسعى النائب الجمهوري مايك لولر إلى الاحتفاظ بمقعده فيها، وكانت المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس قد فازت بهذه الدائرة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وتشمل المنافسات البارزة أيضًا مقعدًا شاغرًا في دائرة متأرجحة بولاية نبراسكا، حيث يواجه المزارعون وسائقو الشاحنات ارتفاعًا حادًا في أسعار الوقود نتيجة الحرب الأميركية على إيران.
ويضع الديمقراطيون مقعدين في ولاية بنسلفانيا ومقعدًا في ولاية نيوجيرزي على رأس قائمة المقاعد التي يسعون إلى انتزاعها من الجمهوريين.
مخاوف من التدخل ومعارك قضائية محتملة
ترافق الانتخابات تساؤلات بشأن احتمال محاولة ترامب التدخل في العملية الانتخابية، التي تتولى كل ولاية من الولايات الأميركية الخمسين إدارتها بصورة مستقلة.
ومنذ عام 2020، دأب ترامب على التأكيد على وجود تزوير واسع النطاق في الانتخابات الأميركية، رغم عدم وجود أدلة تدعم تلك الادعاءات.
وفي ظل هذه المخاوف، يستعد مسؤولو الانتخابات في الولايات والديمقراطيون في الكونغرس لاحتمال خوض معارك قضائية للتصدي لأي خطوات قد تتخذها إدارة ترامب لمحاولة التدخل في الانتخابات.