لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد استحقاق دستوري أو مناسبة بروتوكولية، بل حمل رؤية وطنية تحدد أولويات المرحلة المقبلة، وتضع مؤسسات الدولة أمام مسؤولياتها في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وأكد الخطاب أن الأردن يمتلك مقومات الصمود والاستقرار، وفي مقدمتها قوة مؤسساته ووعي شعبه وحكمة قيادته، مشدداً على أن حماية الوطن ووحدته الوطنية مسؤولية مشتركة، خصوصاً في مواجهة التهديدات الأمنية ومحاولات الإرهاب العبث بأمن المملكة. كما أكد جلالة الملك أن دماء الشهداء ستبقى أمانة في أعناق الأردنيين، وأن أمن الدولة لا يقتصر على دور الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل يقوم أيضاً على الثقة والوعي والانتماء.
وفي صلب الرؤية الملكية، جاءت مصلحة المواطن معياراً أساسياً لكل قرار وسياسة عامة؛ فالتنمية، كما يوضح العجوري، لا تقاس بالأرقام والتقارير وحدها، وإنما بما تحققه من تحسن ملموس في حياة الناس، وتوفير فرص العمل للشباب، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ومساعدة المواطنين على مواجهة أعباء المعيشة. وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية الانتقال من الوعود إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية، عبر إدارة عامة أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجاته.
وعلى المستوى السياسي، وضع الخطاب مجلس الأمة أمام مسؤولياته التشريعية والرقابية، مؤكداً أنه ركن أساسي في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات. وتبرز أهمية هذه الرسالة، وفق العجوري، في أن أداء النائب لا يقاس بالقوانين التي يقرها المجلس فقط، بل أيضاً بسلوكه وخطابه؛ فالنائب ممثل للأمة، وموقعه مسؤولية وطنية تتطلب الحكمة والخبرة والرقابة الفاعلة، فيما تقاس قوة البرلمان بقدرته على إنتاج تشريعات تخدم المجتمع وتحمي حقوق المواطنين وتعزز الثقة بمؤسسات الدولة.
وفي ملف سيادة القانون، شدد جلالة الملك على أن الوظيفة العامة أمانة وليست امتيازاً، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أياً كان موقعه، مؤكداً أن «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً». ويرى العجوري، بصفته محامياً، أن هذه الرسالة تجسد جوهر الدولة الدستورية، حيث تتساوى الحقوق والواجبات، وتعلو سيادة القانون على الاعتبارات الشخصية والنفوذ، بما يضمن حماية المال العام ومحاسبة المقصرين وصون الحقوق ومنع استغلال السلطة لتحقيق المصالح الخاصة.
أما في الملفات الاستراتيجية، فقد أعاد الخطاب التأكيد على أولوية الأمن المائي، من خلال تكرار جلالة الملك عبارة «المياه، المياه، المياه»، في إشارة إلى حجم التحدي الذي يواجه المملكة. ويؤكد العجوري أن التعامل مع هذا الملف يتطلب تسريع المشاريع الكبرى، وتنويع مصادر المياه، وحماية الموارد المتاحة، ومكافحة الهدر والاعتداءات، إلى جانب التخطيط طويل الأمد والإدارة الفاعلة، نظراً لارتباط الأمن المائي بالأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي.
اقتصادياً، عكس الخطاب أهمية الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ المتسارع لمشاريع التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى، باعتبار أن الاستثمار المنتج يشكل ركيزة لتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات. وشدد العجوري على ضرورة تحويل المشاريع الاستراتيجية إلى فرص حقيقية، بما يفتح أمام الشباب مجالات العمل والإبداع ويمنحهم آفاقاً أوسع للمستقبل.
وعربياً، جدد جلالة الملك التأكيد على ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، وضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة على أرضه، في ظل الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس. وأشار العجوري إلى أن القضية الفلسطينية تمثل التزاماً تاريخياً وقومياً وأخلاقياً في السياسة الأردنية، تجسده مواقف جلالة الملك والدبلوماسية الأردنية، إلى جانب التمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
واعتبر العجوري أن خطاب العرش وجه رسالة إلى منظومة الدولة بأكملها، مفادها أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أداء أكثر كفاءة ومؤسسات أقرب إلى المواطن؛ فالقيادة تحدد الاتجاه، والحكومة تتولى التنفيذ، والبرلمان يشرّع ويراقب، والقضاء يحمي العدالة وسيادة القانون، فيما يبقى المواطن شريكاً في حماية الدولة وبناء مستقبلها.
ختاماً، يرى العجوري أن خطاب العرش رسم ملامح المرحلة المقبلة، وجعل الأمن والاستقرار وسيادة القانون وكرامة المواطن والاقتصاد المنتج والأمن المائي والثوابت العربية ركائز للمستقبل، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة مؤسسات الدولة على ترجمة التوجيهات إلى إنجازات ملموسة، وأن يكون المواطن الحكم الأول على مستوى الأداء.
فالأردن، كما يؤكد، يستحق إدارة بحجم طموح قيادته، ومؤسسات بحجم ثقة شعبه، ومسؤولين يدركون أن خدمة الوطن شرف، وخدمة المواطن واجب، وأن المنصب العام أمانة لا امتياز.
حفظ الله الأردن وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على الوطن نعمة الأمن والاستقرار والعزة والكرامة.
بقلم المحامي حسام العجوري.