وكالة عَمرة الإخبارية _ خليل الكوفحي

ليست الثقافة ترفاً فكرياً، ولا الفنون مجرد أنشطة جمالية نمارسها في أوقات الفراغ، بل هي إحدى أهم أدوات حماية المجتمعات من التطرف والكراهية، وخط الدفاع الأول عن الوعي والهوية الوطنية.

إن إعلان قرية حمود مدينة الثقافة الأردنية لعام 2027 يحمل دلالات وطنية وإنسانية تتجاوز حدود الاحتفاء الثقافي؛ فهو رسالة تضامن مع أهل القرية، وتأكيد على أن الوطن يقف إلى جانب أبنائه في المحن، وأن الألم الذي يصيب جزءاً من نسيجه الاجتماعي هو ألم يصيب الوطن بأكمله.

وفي هذا السياق، لا بد من توجيه الشكر والتقدير إلى وزارة الثقافة، وإلى معالي وزير الثقافة، على هذه المبادرة الوطنية والإنسانية التي تستحق الثناء، لما تحمله من معانٍ تتجاوز النشاط الثقافي إلى احتضان الإنسان ومساندة المجتمع وتعزيز قيم التماسك والتآخي الوطني. إن اختيار حمود يؤكد أن الثقافة ليست حكراً على المدن الكبرى، بل حق لكل قرية وبلدة، وأن الوصول إلى المجتمعات المحلية بالثقافة والفنون هو استثمار في الإنسان والوعي والانتماء.

لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، أن قوته الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه، واختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم ومنابتهم، ضمن هوية وطنية واحدة تجمعهم تحت راية الوطن والقيادة الهاشمية. وهذا التنوع ليس نقطة ضعف، بل مصدر غنى وقوة، وفسيفساء إنسانية تشكل جمال الأردن الحقيقي.

لكن مواجهة الفكر المتطرف لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا تنتهي بانقضاء الحدث أو معالجة تداعياته؛ إنها مسؤولية وطنية مستمرة تبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، وتمتد إلى المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والدينية.

وهنا تبرز أهمية الثقافة والفنون، فالفن يفتح نوافذ الحوار، ويهذب الوجدان، ويعلّم الإنسان احترام الآخر، ويمنح الأجيال مساحة للتفكير والإبداع بدلاً من الانغلاق والتعصب. ومن هنا فإن دعم المبدعين والمثقفين، وتوسيع حضور الأنشطة الثقافية في القرى والبلدات والمحافظات، ليس ترفاً مؤسسياً، بل استثمار حقيقي في أمن المجتمع ومستقبله.

إننا بحاجة إلى مشروع وطني ثقافي طويل الأمد، لا يكتفي بتنظيم المهرجانات والاحتفالات، بل يعمل على تجفيف منابع التطرف فكرياً وثقافياً، ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والتسامح والعيش المشترك، ويجعل من الثقافة ممارسة يومية في حياة المجتمع، لا مناسبة عابرة.

فالأوطان لا تحميها الجدران وحدها، بل يحميها الوعي، ولا تصون وحدتها القوة وحدها، بل تصونها المحبة والعدالة واحترام الإنسان.

حمى الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام على شعبه نعمة الأمن والوحدة والتآخي.