وكالة عمرة الإخبارية – سلامة الدرعاوي

تحتاج بعض القطاعات الاقتصادية في الأردن إلى إصلاحات عميقة وجريئة، بعد أن كشفت التجربة العملية عن اختلالات تشريعية وتطبيقية أهدرت إيرادات كان يفترض أن تدخل الخزينة العامة، في وقت تحتاج فيه المالية العامة إلى كل دينار لتمويل النفقات الأساسية وتوسيع الإنفاق التنموي

وتبرز المنطقة الحرة في الزرقاء بوصفها أحد الملفات التي تستدعي مراجعة جادة، ليس بهدف الانتقاص من دورها الاقتصادي أو إلغاء الحوافز التي أُنشئت من أجلها، وإنما لإعادة تنظيم نشاطها بما يحقق الغاية الأساسية من وجودها، ويمنع تحول الامتيازات الممنوحة لها إلى أداة لمنافسة غير متكافئة مع التجار العاملين في السوق المحلية.

فالمنطقة الحرة أُنشئت أساسًا لتكون مركزًا للتجارة الخارجية والترانزيت وإعادة التصدير، وتسهيل حركة البضائع إلى الأسواق الإقليمية والدولية. لكن التوسع في بيع السلع إلى السوق المحلية، مستفيدًا من الإعفاءات والحوافز المقررة للمناطق الحرة، يطرح أسئلة جوهرية حول العدالة الضريبية وتكافؤ الفرص بين المكلفين.
وتبدو تجارة السيارات المثال الأبرز على هذا الاختلال، إذ تشير التقديرات المتداولة إلى إدخال نحو 200 ألف سيارة إلى السوق المحلية خلال أربع سنوات عبر تجار المنطقة الحرة، وتحقيق أرباح تجاوزت نصف مليار دينار، مقابل خسائر ضريبية مقدرة بأكثر من 100 مليون دينار للخزينة، وفق تقديرات تستدعي التحقق من تفاصيلها وأسس احتسابها.
المشكلة هنا لا تتعلق بالمنافسة وحدها، بل بوجود تفاوت في المعاملة الضريبية بين تجار يمارسون النشاط ذاته ويبيعون للمستهلك الأردني نفسه؛ فبينما يتحمل التاجر داخل المملكة الضرائب والرسوم المترتبة على نشاطه وفق التشريعات النافذة، قد يستفيد منافسه من امتيازات وإعفاءات صُممت أصلًا لخدمة نشاط مختلف، ما يمنحه أفضلية سعرية ويخل بقواعد المنافسة العادلة.
ولا يمكن بناء اقتصاد تنافسي سليم في ظل تفاوت المعاملة بين المكلفين، أو السماح بتحويل الإعفاءات المخصصة لتشجيع التصدير والترانزيت إلى وسيلة لتحقيق أرباح من السوق المحلية دون تحصيل الإيرادات المستحقة وفق الأصول القانونية.
المطلوب اليوم مراجعة التشريعات الناظمة للمناطق الحرة، ومعالجة الثغرات التي تسمح بتداخل الأنشطة المعفاة مع التجارة الداخلية، بما يضمن إخضاع المبيعات للسوق المحلية للمعاملة الضريبية المقررة قانونًا، أسوة ببقية التجار، مع الحفاظ على الحوافز اللازمة للتصدير وإعادة التصدير والترانزيت.
إن الإصلاح الحقيقي لا يعني إلغاء الامتيازات الاقتصادية، بل توجيهها نحو أهدافها الصحيحة. فالعدالة الضريبية ليست مطلبًا للخزينة وحدها، وإنما شرط أساسي لحماية المنافسة والاستثمار والقطاع التجاري المنظم.
ولا يجوز أن تتحول الحوافز الاستثمارية إلى ثغرات تستنزف الإيرادات العامة وتمنح فئة من المكلفين ميزة على حساب أخرى. فكلما اتسعت قاعدة العدالة الضريبية، ازدادت قدرة الدولة على تحصيل حقوقها، وتعززت الثقة بالتشريعات، وأصبحت المنافسة قائمة على الكفاءة الحقيقية لا على تفاوت الامتيازات