وكالة عمرة الإخبارية – بقلم: عمر الدريني

حين تقع جريمة تهز المجتمع، تتجه الأنظار إلى مرتكبها، وإلى ما تكشفه التحقيقات، وإلى الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لضمان العدالة، وهذا أمر ضروري؛ فلا يجوز أن تضيع مسؤولية الفرد وسط نقاشات عامة عن المجتمع والظروف والأفكار. لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف نبني إنسانًا يمتلك من الوعي ما يساعده على رفض الكراهية، ومن القدرة على التفكير ما يمنعه من الانقياد وراء التحريض؟

إن الحديث عن التربية والوقاية ليس محاولة لتفسير جريمة بعوامل لم تثبت، ولا لإعفاء مرتكبها من المسؤولية القانونية، إنه بحث في مسؤوليتنا المشتركة عن بناء بيئة تحترم الإنسان، وتمنح الأجيال أدوات التفكير المستقل، وتساعدها على التمييز بين الاختلاف المشروع والتعصب الذي يحول الآخرين إلى أهداف.

تبدأ هذه المسؤولية قبل أن يتعلم الطفل المصطلحات الكبيرة، تبدأ حين يسمع كيف يتحدث الكبار عن المختلف، وحين يرى كيف تُحل الخلافات في البيت، وحين يكتشف ما إذا كان الاعتذار مقبولًا، وما إذا كانت السخرية من الآخرين أمرًا عاديًا، وما إذا كانت قيمة الإنسان تتغير بحسب اسمه أو معتقده، فالطفل لا يتعلم من النصائح وحدها؛ إنه يراقب السلوك، ويختزن التناقضات، ثم يبني منها تصوراته عن العالم.

ومن هنا، لا يكفي أن نطالب أبناءنا بالتسامح إذا كانت لغتنا اليومية تغذي التعميم، أو أن نرفع شعارات احترام الآخر بينما نتسامح مع التنمر حين يستهدف شخصًا لا يشبهنا، فالتربية الحقيقية تبدأ حين تصبح القيم معيارًا ثابتًا، لا موقفًا نختاره وفق الأشخاص والظروف.

وفي المدرسة، تتجاوز المسؤولية تدريس المعلومات إلى بناء القدرة على التفكير والحوار، فالمعلم لا يشرح الدرس فقط؛ إنه يقدم نموذجًا في التعامل مع الخطأ، وفي احترام السؤال، وفي الفصل بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، والإدارة المدرسية لا تحمي الطلبة بالعقوبات وحدها، بل ببيئة عادلة تمنع التنمر، وتتيح الحوار، وتعلم الطلبة أن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق الانتقاص من الآخرين.

كما أن التربية الإعلامية أصبحت ضرورة في زمن تصل فيه الأخبار إلى الناس قبل أن تتاح لهم فرصة التحقق منها، ينبغي أن يتعلم الطلبة كيف يسألون عن مصدر المعلومة، وكيف يميزون بين الخبر والرأي، وكيف يكتشفون الاجتزاء والتضليل، ولماذا لا يجوز إعادة نشر كل ما يثير الغضب، فالعقل الذي يعرف كيف يتحقق أقل عرضة لأن يصبح أداة في يد من يستثمرون انفعالاته.

وتتحمل الأسرة مسؤولية موازية، فالحوار داخل البيت يمنح الأبناء فرصة لطرح الأسئلة بدل البحث عن إجابات في مصادر مضللة، والقدوة العملية تساعدهم على فهم معنى الاحترام بصورة أعمق من أي محاضرة، وحين يختلف الأبوان أمام أبنائهما باحترام، فإنهما يقدمان درسًا في إدارة الخلاف لا يقل أهمية عن الدروس المدرسية.

أما المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، فيمكنها أن تعزز خطابًا يربط القيم بالسلوك، ويرفض التحريض، ويؤكد أن كرامة الإنسان لا تسقط بسبب اختلافه، ولا بد من أن تعمل هذه الجهات ضمن رؤية متكاملة، بدل الاكتفاء بحملات موسمية تظهر بعد الأزمات ثم تتراجع.

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل المعلمين والأسر وحدهم مسؤولية كل خلل اجتماعي، فالتربية تحتاج إلى مؤسسات عادلة، وثقة بالقانون، ومساحات للمشاركة، وخطاب عام لا يكافئ التعصب. كما تحتاج إلى اعتراف بأن الوقاية لا تقدم ضمانات مطلقة، لكنها تقلل فرص انتشار الأفكار التي تبرر الإقصاء والعنف.

إن السؤال عن رعاية الفكرة ليس بديلًا عن سؤال العدالة؛ بل هو امتداد له، فالمجتمع مسؤول عن حماية أفراده اليوم، وعن تحسين الظروف التي ينشأ فيها أبناؤه غدًا، دون أن يخلط بين الوقاية والمحاسبة.

قبل أن نسأل كيف نصلح ما أفسده السلوك، علينا أن نسأل كيف نربي عقلًا يرفض أن يجعل الكراهية فضيلة، أو الاختلاف جريمة، أو الاعتداء على الإنسان موقفًا يمكن الدفاع عنه.