الدكتور عطاالله الشرعة
هناك سؤال بسيط لكنه أخطر من كل أرقام القبول والتخصصات عندما يتجه أكثر من ثلث طلبة الثانوية إلى الحقول الصحية بينما تتوزع نسبة أقل على الهندسة والتكنولوجيا هل لدينا خطة واضحة تقول لنا أين سيذهب هؤلاء الطلبة بعد خمس سنوات وأين سيكونون بعد عشر سنوات؟
المشكلة ليست في أن يختار الطالب الطب أو التمريض أو الصيدلة أو أي تخصص صحي وليست في أن نطلب منه أن يدرس الهندسة رغماً عنه المشكلة الحقيقية أن نترك اختيارات عشرات الآلاف من الطلبة تتحرك وفق الرغبة والمنافسة والمجتمع بينما تتحرك الجامعات وفق قدرتها على استقطاب الطلبة ثم نكتشف بعد سنوات أن أعداد الخريجين لا تتطابق مع حاجة الدولة وسوق العمل عندها لا يعود السؤال ماذا يريد الطالب أن يدرس بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً ماذا سنفعل بكل هؤلاء الخريجين؟
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف لدينا ضغط كبير على بعض التخصصات الصحية ومقاعد محدودة ومنافسة شديدة عليها وفي المقابل لدينا جامعات حكومية وخاصة وبرامج هندسية وتقنية متعددة من الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية إلى هندسة الحاسوب والاتصالات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وغيرها وقد يصل الأمر في بعض البرامج إلى البحث عن الطالب بينما الطالب نفسه يقف طويلاً على أبواب تخصصات أخرى فكيف وصلنا إلى هذه المعادلة ومن يراجعها؟
المشكلة لا تنتهي عند مقعد جامعي فارغ خلف كل برنامج جامعي استثمارات ومبانٍ ومختبرات وأجهزة وأعضاء هيئة تدريس وموارد مالية وعندما يعمل برنامج بطاقة أقل بكثير من طاقته تصبح المسألة قضية استدامة جامعات وكفاءة إنفاق وليست مجرد مشكلة قبول وفي الاتجاه الآخر عندما ننتج أعداداً كبيرة من الخريجين في تخصصات لا يستطيع السوق استيعابها فإننا لا نكون قد حللنا مشكلة البطالة بل نكون قد أجلناها أربع أو خمس سنوات ونقلناها من طابور الباحثين عن مقعد جامعي إلى طابور الباحثين عن وظيفة
الأخطر أن سوق العمل نفسه يتغير بسرعة التخصصات المطلوبة اليوم قد لا تكون هي الأكثر طلباً غداً والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والطاقة والأمن السيبراني والصناعات الحديثة ستعيد تشكيل طبيعة الوظائف لذلك لا يجوز أن يكون تخطيط التعليم العالي مبنياً فقط على أعداد الناجحين في الثانوية أو رغبات الطلبة في لحظة معينة المطلوب أن نربط السلسلة كاملة الثانوية العامة ثم القبول الجامعي ثم الطاقة الاستيعابية للجامعات ثم احتياجات سوق العمل ثم التخصصات التي يحتاجها الأردن بعد خمس وعشر سنوات
وهنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع التعليم العالي كأنه مجرد سوق يفتح فيه كل من يستطيع برنامجاً جديداً ثم ننتظر الطالب ليختار التعليم العالي قضية وطنية واستثمار طويل الأجل في الإنسان والاقتصاد وإذا كانت الدولة تعرف أن سوق العمل يحتاج إلى أعداد محددة من تخصصات معينة فلماذا لا تكون لدينا منظومة معلومات وطنية واضحة تساعد الطالب وولي الأمر والجامعة وصانع القرار على رؤية الصورة كاملة قبل اتخاذ القرار؟
نحن لا نحتاج إلى إجبار الطالب على تخصص لا يريده ولا إلى إغلاق أبواب تخصصات بعينها بطريقة عشوائية نحتاج إلى توجيه ذكي مبني على البيانات يمنح الطالب معلومات حقيقية عن فرص العمل ونسب الإشباع والطلب المتوقع والرواتب والمسارات المهنية وفي الوقت نفسه إعادة النظر في أعداد القبول والطاقة الاستيعابية والتوسع في البرامج وفق احتياجات الأردن الفعلية والمستقبلية
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم وليس بعد عشر سنوات هل نحن نخطط للتعليم العالي أم أننا فقط ندير أزمة القبول كل عام؟
لأن التخطيط الحقيقي لا يبدأ عندما يطرق الطالب باب الجامعة بل يبدأ قبل ذلك بسنوات ولا ينتهي لحظة تخرجه بل يجب أن يصل إلى سوق العمل
لا يكفي أن نسأل كم طالباً نجح في الثانوية يجب أن نعرف أين نريد أن يكون هؤلاء الطلبة بعد عشر سنوات
وإذا لم نملك إجابة واضحة فالمشكلة ليست في الطلبة ولا في طموحاتهم
المشكلة في منظومة تخطيط لم تربط بعد بين التعليم وسوق العمل ومستقبل الأردن.