وكالة عمرة الإخبارية – فادي زواد السمردلي
ليس أكثر ما يشغل الأردنيين اسم الرئيس الذي سيجلس على كرسي رئاسة مجلس النواب، ولا هوية أعضاء المكتب الدائم، ولا من سيحظى برئاسة هذه اللجنة أو تلك فهذه التفاصيل، على أهميتها في إطار العمل النيابي، تبقى جزءاً من الحسابات الداخلية للمجلس أما المواطن، فله حسابات أخرى تماماً، أكثر قسوة وواقعية، تبدأ من جيبه الذي أنهكه الغلاء، ولا تنتهي عند راتب لم يعد يكفي، وفرصة عمل ينتظرها أبناؤه، وفاتورة تتراكم، وخدمات يريدها بمستوى يليق بكرامته.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق أن يتوقف أمامها مجلس النواب مع افتتاح دورته العادية فتحت القبة سباق على الرئاسة والمكتب الدائم ورئاسة اللجان، وخارجها سباق يومي يخوضه المواطن لتأمين متطلبات الحياة فهناك من ينشغل بمن سيجلس على هذا الكرسي أو يرأس تلك اللجنة، وهناك مواطن لا يعنيه اسم الرئيس ولا لون التحالفات بقدر ما يعنيه أن يجد من يحمل صوته، ويدافع عن مصالحه، ويضع أوجاعه على طاولة القرار فالمواطن لا ينتظر نتائج معركة الرئاسة بقدر ما ينتظر نتائج معركة الإنجاز.
وبكل وضوح، لا مشكلة في أن يتنافس النواب على رئاسة المجلس أو عضوية المكتب الدائم أو رئاسة اللجان، فهذه استحقاقات نيابية ومواقع تدخل في تنظيم العمل التشريعي والرقابي، لكن المشكلة أن يتحول التنافس على المواقع إلى المشهد الأبرز، وأن تصبح الحسابات والتحالفات وتوزيع المناصب هي العنوان الأكثر حضوراً، فيما تبقى الأولويات التي تمس حياة الأردنيين في الصفوف الخلفية.
فما قيمة رئاسة لجنة إذا لم تتحول إلى عمل جاد؟ وما قيمة موقع في المكتب الدائم إذا لم ينعكس على أداء المجلس؟ وما جدوى الفوز برئاسة المجلس إذا لم يكن ذلك مدخلاً لتعزيز دوره التشريعي والرقابي؟ إن رئاسة اللجان ليست وجاهة، والمواقع النيابية ليست مكاسب شخصية، والمقعد النيابي ليس امتيازاً منفصلاً عن مسؤولية صاحبه تجاه الناس فكل موقع تحت القبة هو مسؤولية، وكل صلاحية يفترض أن تكون أداة لخدمة المصلحة العامة.
الأردنيون لا ينتظرون معرفة من فاز بمنصب، بل يريدون معرفة من سيتبنى ملفات البطالة والفقر وارتفاع كلف المعيشة، ومن سيتابع ملف الاستثمار وفرص العمل، ومن سيضع جودة الخدمات الصحية والتعليمية والنقل العام تحت المجهر، ومن سيسأل عن السياسات التي أثقلت كاهل الأسر، ومن سيمارس رقابة حقيقية على أداء الحكومة بعيداً عن المجاملات والحسابات السياسية.
المواطن يريد مجلساً لا يكتفي بإتقان إدارة جلساته، بل يريد مجلساً يعرف كيف يدير أولوياته. لا يريد أسئلة نيابية تُقدم أمام الكاميرات ثم تختفي، ولا تصريحات موسمية تتكرر عند افتتاح الدورات، ولا لجاناً تحمل أسماء كبيرة دون أن يشعر الناس بأثر عملها. يريد لجاناً فاعلة، واجتماعات تنتج توصيات قابلة للمتابعة، ورقابة لا تتوقف عند حدود الاستفسار، ومساءلة لا تخضع للمجاملة أو الحسابات.
وهنا تحديداً، تصبح رئاسة اللجان اختباراً حقيقياً للنواب الذين سيتولونها؛ فالمطلوب ليس من يرأس لجنة الخدمات أو المالية أو العمل أو الاقتصاد بالاسم فقط، بل من يستطيع تحويل موقعه إلى مساحة عمل ومتابعة وإنجاز فالمواطن لا يريد أن يسمع أن لجنة اجتمعت، بل يريد أن يعرف ماذا ناقشت، وماذا أنجزت، وما الذي تغير نتيجة عملها.
كما أن افتتاح الدورة العادية يجب ألا يكون مجرد مناسبة لتجديد المشهد النيابي وتوزيع المواقع، بل محطة لمراجعة الأولويات، وتحديد الملفات التي تستحق أن تتصدر جدول الأعمال فالأردني الذي يواجه أعباء الحياة يومياً لا ينتظر مزيداً من الخطابات، بل ينتظر تشريعات مدروسة، ورقابة مسؤولة، ومواقف واضحة، ومجلساً يشعر معه أن صوته لم يتوقف عند صندوق الاقتراع.
ولا أحد يطلب من مجلس النواب أن يحل وحده كل الأزمات، أو أن يتحمل مسؤوليات السلطات الأخرى، لكن المطلوب منه أن يمارس دوره الدستوري كاملاً، وأن يستخدم أدواته التشريعية والرقابية بفاعلية، وأن يكون حاضراً في القضايا التي تمس المجتمع، لا أن ينشغل طويلاً في ترتيب بيته الداخلي على حساب الملفات التي تنتظرها البلاد.
والأهم أن يدرك كل نائب أن ثقة الناس لا تُقاس بالموقع الذي يشغله، ولا بعدد اللجان التي يرأسها، ولا بحجم حضوره في المشهد السياسي، بل بما يقدمه من مواقف وأعمال فالمواطن لا يمنح احترامه لمن يفوز بمنصب، وإنما لمن يثبت أنه أهل للمسؤولية، ولمن يجعل من موقعه النيابي وسيلة للدفاع عن مصالح الناس لا غاية بحد ذاتها.
اليوم قد يُحسم سباق الرئاسة، وقد تتوزع مقاعد المكتب الدائم، وقد تتضح أسماء رؤساء اللجان وأعضائها، وقد تنتهي حسابات التوافق والتنافس، لكن سباق المواطن مع أعباء الحياة لن يتوقف بانتهاء الجلسة، ولن ينتظر حتى تستقر المواقع تحت القبة. ستبقى الأسئلة ذاتها معلقة ماذا عن الأسعار؟ ماذا عن البطالة؟ ماذا عن فرص العمل؟ ماذا عن الخدمات؟ وماذا عن قدرة الأسر الأردنية على مواجهة متطلبات الحياة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة على طاولة المجلس منذ يومه الأول، وهي الاختبار الذي سيحكم من خلاله المواطنون على أداء النواب، لا عدد الأصوات التي حصل عليها هذا المرشح أو ذاك، ولا اسم النائب الذي فاز برئاسة لجنة أو موقع في المكتب الدائم.
فليتنافس النواب على الرئاسة والمكتب الدائم ورئاسة اللجان، فهذا حقهم واستحقاقهم، لكن ليكن التنافس الحقيقي على من يخدم الناس أكثر، ومن يفتح الملفات الأكثر إلحاحاً، ومن يمارس رقابة أكثر جدية، ومن يترك أثراً ملموساً في حياة الأردنيين.
فالكراسي تُحسم بالتصويت، والمناصب تُحسم بالتوافق أو المنافسة، أما احترام الناس فلا يُحسم إلا بالإنجاز.والمواطن الذي ينتظر اليوم من يتنافس على همومه، لن تعنيه كثيراً أسماء من فازوا بالمواقع، بقدر ما سيعنيه ما سيفعلونه بعد أن يجلسوا فيها.
فلا تجعلوا مناصب المجلس غاية التنافس… اجعلوا خدمة الأردنيين ميدان التنافس الحقيقي.