وكالة عمرة الإخبارية – د. عمّار محمد الرجوب

ليست العبرة في أن نستمع إلى خطاب الملك، بل في أن نفهم ما وراء كلماته، وأن نسأل أنفسنا ماذا سنفعل بعد أن تنتهي الكلمات ويبدأ الامتحان الحقيقي. فالأوطان لا تتقدم بالخطابات وحدها، ولا تكبر بالشعارات، وإنما تكبر حين تتحول الرؤى إلى قرارات، والوعود إلى إنجازات، والمسؤولية إلى عمل يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم.
تابعت خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، في الثاني من تشرين الثاني 2026، ولم أقرأه كمناسبة دستورية عابرة، بل قرأته كمواطن أردني يرى في كلمات الملك رسائل واضحة تتعلق بأمن وطنه وكرامة شعبه ومستقبل أبنائه، وتضع الجميع أمام مسؤوليات لا يجوز أن تبقى حبيسة الكلمات.
كانت البداية من أمن الأردن ووحدته، في رسالة حاسمة بأن هذا الوطن لن يسمح للإرهاب بأن ينال من استقراره أو يعبث بنسيجه الوطني. واستحضار شهداء الكرك لم يكن مجرد استذكار للتضحيات، بل تذكير بأن أمننا ليس أمرا عاديا أو مضمونا دون ثمن، وأن وراء طمأنينة بيوتنا جنودا من الجيش العربي وأجهزتنا الأمنية يسهرون ويقدمون أرواحهم لتبقى راية الأردن عالية. وهنا أقول إن أقل ما نقدمه لهؤلاء هو أن نحفظ الوطن الذي يحمونه، وأن نكون يدا واحدة في مواجهة كل من يحاول زرع الفرقة بيننا.
وفي رسالته الثانية، جدد جلالة الملك موقف الأردن الثابت من القضية الفلسطينية، مؤكدا أنه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حصول الشعب الفلسطيني على حقه في أرضه. وهذا موقف نعتز به كأردنيين، لأن فلسطين ليست قضية عابرة في وجداننا، ولأن ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس يمس ضمير كل إنسان يؤمن بالحق والعدالة. فالأردن الذي يقف مع أشقائه لا يتخلى عن مبادئه، ولا يساوم على ثوابته مهما تبدلت الظروف.
أما الرسالة الثالثة، فقد وجهها جلالة الملك إلى مجلس الأمة، حين أكد ضرورة أن يكون صوتا للوطن وحارسا للمصلحة العامة ورقيبا على الأداء الحكومي، وأن تكون مصلحة الأردنيين أولا. وهذه رسالة تستحق أن يتوقف عندها كل نائب وكل مسؤول، فالمواطن لا يريد خلافات تستنزف الوقت، ولا خطابات تبتعد عن همومه، بل يريد مجلسا يشعر معه أن صوته مسموع، وأن قضاياه حاضرة، وأن الاختلاف تحت القبة وسيلة للوصول إلى الأفضل لا غاية بحد ذاته. فالمجلس لا تقاس مكانته بما يقوله أعضاؤه فقط، بل بما يحققونه للناس.
ثم جاءت الرسالة التي أعتقد أن كل مواطن ينتظر أن يرى أثرها في حياته، وهي أن تكون مصلحة الأردني في صلب كل قرار لا على هامشه. فالملك تحدث عن التنمية الحقيقية التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه، وعن المشاريع الكبرى والتحديث الاقتصادي، كما شدد على أن الأمن المائي أولوية وطنية لا تقبل المساومة.
وهنا، من حق المواطن أن يسأل: متى تصبح هذه المشاريع فرص عمل حقيقية لشبابنا؟ ومتى يشعر الموظف بأن جهده وتعبه مقدران؟ ومتى يجد العامل حقوقه مصانة، وصاحب العمل بيئة عادلة تشجعه على الاستثمار والاستمرار؟ فالعلاقة بين العامل وصاحب العمل ليست علاقة خصومة، بل شراكة تقوم على الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل، ولا تنجح التنمية إلا حين يشعر الطرفان بالعدالة والأمان. نريد اقتصادا يفتح أبوابه أمام الكفاءات، ويحفظ كرامة العامل، ويحمي الاستثمار، ويمنح الشباب أملا حقيقيا بمستقبل أفضل.
أما الرسالة الخامسة، فكانت في تأكيد هيبة الدولة وسيادة القانون، وأن الوظيفة العامة خدمة للناس وليست تشريفا، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، فالقانون لا يعرف اسما ولا منصبا ولا نفوذا. وهذه من أهم ركائز الدولة التي نريدها، دولة يشعر فيها المواطن أن حقه محفوظ، وأن المسؤول خادم للصالح العام، وأن العدالة لا تتغير بتغير الأسماء والمواقع. كما أن تأكيد جلالة الملك حق الأردنيين في المشاركة بالشأن العام، ورحابة صدر الوطن أمام الرأي المخلص والمسؤول، يعزز قناعتنا بأن حب الأردن لا يعني الصمت، وأن النقد المسؤول ليس إساءة للوطن، بل صورة من صور الحرص عليه.
وأقول أنا: إننا لا نريد أن نكون شعبا يجيد التصفيق للكلمات ثم ينتظر طويلا ليرى نتائجها، بل نريد أن نكون شركاء في الإنجاز، نؤدي واجباتنا ونطالب بحقوقنا، ونحترم القانون ونحاسب المقصر، ونحمي وطننا بالوعي والعمل والانتماء. فالأردن لا يحتاج منا أن نصف حبنا له كل يوم، بقدر ما يحتاج أن نترجم هذا الحب إلى مواقف وأفعال تحفظ كرامة الإنسان وتصون مؤسسات الدولة.
وفي النهاية، حين يتحدث الملك عن أمن الوطن ووحدته، وعن فلسطين وثوابته، وعن مسؤولية مجلس الأمة، وعن معيشة المواطن وفرص أبنائه، وعن هيبة الدولة وسيادة القانون، فإن الرسالة لا تتجه إلى جهة واحدة، بل تصل إلى الحكومة والنواب والمسؤولين وكل مواطن أردني. ولكل طرف منها نصيب من المسؤولية.
نريد أردنا قويا بأمنه، عادلا بقانونه، منتجا باقتصاده، كريما بأهله، لا يشعر فيه شاب أن مستقبله مغلق، ولا عامل أن حقه ضائع، ولا صاحب عمل أن جهده مهدد، ولا مواطن أن صوته لا يصل.
لقد تحدث الملك، ووضع أمامنا ملامح الطريق، ويبقى السؤال الذي يجب ألا نهرب منه: هل سنكون جميعا على قدر هذه الرسالة؟
فالأردن لا ينقصه من يحبونه، بل يحتاج إلى من يثبتون حبهم له بالعمل والإخلاص والإنجاز. وحينها فقط لن نكون قد اكتفينا بالاستماع إلى خطاب العرش، بل سنكون قد فهمنا رسالته وأدينا أمانتها.