وكالة عمرة الإخبارية – محي الدين كناكرية

لم يعد الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي مقتصراً على الوظائف والخصوصية وسرقة البيانات؛ بل امتد إلى ما هو أخطر: تزييف الحقيقة، وتضليل الرأي العام، واستغلال المآسي الإنسانية لتأجيج الفتن وضرب الثقة بين الشعوب.

ما شهدناه مؤخراً عقب الغارات الجوية الأردنية على أوكار ومواقع لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا، استهدفتها القوات المسلحة الأردنية على خلفية تهديدات أمنية وعمليات إرهابية وشيكة ضد المملكة، يعكس جانباً خطيراً من هذا الواقع. فهذه العمليات، وفق التصريحات الأردنية الرسمية، جاءت في إطار حماية الأمن القومي الأردني ومواجهة التهديدات من جذورها، بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف مشيّعين في محافظة الكرك.

لكن بالتزامن مع الأحداث، انتشرت صور ومقاطع مضللة نُسبت إلى ضحايا الغارات، ليتبين أن بعضها يعود إلى أشخاص وأحداث أخرى، فيما أظهرت عمليات التحقق أن صوراً أخرى مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وهنا تكمن الخطورة: أن تتحول مأساة حقيقية إلى بيئة خصبة للتلاعب، وأن تصبح الصورة المفبركة أداة لتوجيه المشاعر وصناعة روايات لا تستند إلى الحقيقة.

إن الدفاع عن أمن الأردن وحقه في حماية مواطنيه لا يتعارض مع رفض التضليل أو التهويل، كما أن احترام الضحايا المدنيين لا يبرر اختلاق الصور والوقائع أو توظيفها سياسياً. فالموقف المسؤول هو التمييز بين الهدف المعلن للعمليات العسكرية، والوقائع التي يجري التحقق منها بشأن نتائجها، وبين الحقيقة وما يُصنع لتشويهها.

فالصور المضللة لا تسيء إلى الضحايا وحدهم؛ بل قد تستهدف سمعة الدول، وتؤجج المشاعر بين الشعوب، وتحوّل منصات التواصل إلى ساحات حرب موازية، تُستخدم فيها الخوارزميات بدلاً من الصواريخ، والتلاعب بالعقول بدلاً من المواجهة المباشرة.

المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل فيمن يستخدمه بلا ضمير، وفيمن يشارك محتواه بلا تحقق. لذلك، فإن مسؤوليتنا تبدأ من عدم الانجرار خلف كل صورة مؤثرة، والعودة إلى المصادر الموثوقة، والتمييز بين الخبر المؤكد والادعاء المتداول.

الأمن القومي لا تحميه القوة العسكرية وحدها؛ بل يحميه أيضاً وعيٌ لا يُخدع، وإعلامٌ لا يُضلل، ومجتمعٌ لا يسمح بتزييف الحقيقة.

ففي زمن أصبح فيه إنتاج الكذبة أسهل من أي وقت مضى، يبقى التحقق مسؤولية وطنية وأخلاقية، وتبقى الحقيقة خط الدفاع الأول عن الوعي والاستقرار.