وكالة عمرة الإخبارية – أكد الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور محمد صبحي العايدي أن الاعتراف بوجود فكر متطرف لدى بعض المسلمين يمثل شرطًا أساسيًا لتفكيكه ومعالجة جذوره، محذرًا من اختزال التطرف في تنظيم داعش، أو الخلط بين الإسلام بوصفه وحيًا إلهيًا والتطرف بوصفه فهمًا بشريًا يتحمل أصحابه مسؤوليته.

جاء ذلك في مقال بعنوان «الاعتراف بوجود التطرف شرط لتفكيكه»، ناقش فيه العايدي مداخلات إعلامية أعقبت حادثة الكرك، قال إن بعضها أنكر وجود أفكار متطرفة في المجتمع، وحصر المشكلة في تنظيم داعش.

وأوضح أن الاعتراف بانحراف بعض التأويلات لا يتضمن اتهامًا للإسلام، مشددًا على أن «تنزيه المسلمين جميعًا عن التطرف، بدعوى تنزيه الإسلام، يخلط بين كمال المرجعية وقصور المنتسبين إليها، ويمنح التأويل البشري حصانة لا يستحقها».

وبيّن أن مواجهة الجريمة تستدعي سؤالًا عن الأفكار التي سبقتها، وكيف تشكلت القناعة التي جعلت مرتكبها يرى إقصاء الآخرين وتكفيرهم عبادة، والاعتداء عليهم نصرة لله. وأضاف أن الجريمة ينفذها شخص محدد، لكن تبريرها قد ينمو في خطاب يتداوله آخرون، بعضهم لا يدرك النتائج التي تنتهي إليها مقدماته.

واعتبر العايدي أن داعش تمثل تجسيدًا مسلحًا لمنظومة تكفيرية، لكنها لا تختصر جميع صور التطرف، موضحًا أن شخصًا قد يرفض عنف التنظيم، فيما يحتفظ بمقدمات فكرية يلتقي معه فيها، وتُستخدم لتكفير المجتمعات والدول والأفراد.

وشدد على أن ذلك لا يعني مساواة رافضي السلاح بمستبيحي الدماء في الجريمة والمسؤولية، وإنما يقتضي نقد الأفكار المشتركة حيث تثبت، مؤكدًا أن رفض العمل المسلح لا يكفي وحده للدلالة على مراجعة المقدمات التكفيرية.

وفي تناوله مفهومي الحاكمية والولاء والبراء، أوضح أن الخلل ينشأ حين يدّعي فرد أو جماعة أن فهمه يمثل حكم الله، ثم يجعل مخالفته خروجًا على هذا الحكم، وينتقل من تخطئة الفعل إلى تكفير صاحبه وإسقاط حقوقه.

وأكد أن الفقه المنضبط يميز بين المعصية والكفر، وبين الحكم على القول والحكم على الشخص المعيّن، وبين النص وفهمه وتنزيله، ويراعي شروط الأحكام وموانعها ومآلاتها واختلاف الوقائع.

وأشار إلى ثلاثة مستويات للمشكلة: تطرف يجمع الفكر التكفيري وحمل السلاح، وتطرف يحتفظ بمقدمات تكفيرية مع رفض العمل المسلح، وخطاب انتقائي يشدد على عامة الناس ثم يعطل معاييره عند التعامل مع المصلحة أو السلطة. ودعا إلى مساءلة اتساق هذا الخطاب، مع مراعاة احتمال المراجعة الناقصة أو الاضطراب المعرفي.

كما شدد على ضرورة التمييز بين منظّري هذه الأفكار والمتأثرين بها؛ فمنهم من يتبنى منظومة متكاملة، ومنهم من يردد أفكارًا تلقاها من داعية أو مقطع أو درس دون فهم نتائجها، وهو ما يتطلب تعليمًا وحوارًا يتناسبان مع عمق الاقتناع.

ورفض العايدي اتخاذ توظيف الدين في المشروع الصهيوني مبررًا لاستنساخ منطقه، مؤكدًا أن مواجهة الاحتلال تقوم على رفض اغتصاب الأرض والعدوان والتهجير، ولا تجعل الهوية الدينية سببًا للعداوة أو الاستباحة. واستشهد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.

وربط العايدي هذه المعالجة بالمراجعة التي دعا إليها جلالة الملك لسياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، معتبرًا أنها تستدعي نقاشًا جادًا في الفهم والخطاب والتربية ومسارات الإقصاء والتكفير. وحذر من اتهام كل مطالب بالمراجعة باستهداف العقيدة، لأن ذلك يغلق النقاش ويضع الاجتهادات البشرية في مقام الثوابت.

وختم بالتأكيد أن «حماية الدين والمجتمع تقتضي كشف الأفكار المتطرفة ومناقشتها قبل أن تجد من يحمل لها السلاح».