تستثمر شركة ميتا بقوة في الذكاء الاصطناعي لإدارة المحتوى على فيسبوك وإنستغرام وثريدز، وتقدم ذلك بوصفه حلاً أسرع وأدق لمشكلات المنصات الضخمة. غير أن الواقع الذي يعيشه الصحفيون والصفحات الإخبارية والشركات الإعلامية مختلف تماماً. فالنظام الآلي الذي يُفترض أن يحمي الحقوق ويضبط الانتهاكات، أصبح في حالات كثيرة أداة سهلة لإسكات المحتوى المشروع، وتعطيل العمل اليومي، وإرهاق المؤسسات ببلاغات وهمية لا تُراجع بالسرعة ولا بالدقة المطلوبة.
*ذكاء اصطناعي يتوسع… ومراجعة بشرية تتراجع*
ميتا تعتمد بشكل متزايد على أنظمة آلية ونماذج لغوية كبيرة لاكتشاف المخالفات وإزالة المحتوى واتخاذ قرارات تؤثر مباشرة في وصول الصفحات وبقائها. هذا التوسع قد يبدو منطقياً بحجم المنصات، لكنه يتحول إلى مشكلة حين تُتخذ قرارات مصيرية بحق صفحات إخبارية دون تحقق كافٍ من هوية المبلِّغ، ودون تمييز واضح بين انتهاك حقيقي واستخدام مشروع للصور والتقارير في العمل الصحفي. النتيجة أن الخطأ الآلي لا يبقى خطأً تقنياً بسيطاً، بل يتحول إلى توقف في النشر، وتراجع في الانتشار، وخسارة في الوقت والدخل.
*بلاغات الحقوق الوهمية سلاح سهل ضد الصفحات*
من أخطر الثغرات اليوم نظام بلاغات حقوق النشر. التحقيقات الحديثة كشفت أن محتالين يستغلون آلية الإبلاغ في إنستغرام وفيسبوك لتقديم شكاوى مزيفة تدّعي ملكية محتوى لا يخصهم. المنصة في حالات كثيرة لا تتحقق من هوية مقدّم البلاغ عند استلامه، وتكرار البلاغات قد يؤدي إلى تعليق الحساب أو تهديد الصفحة بالحذف. بل ظهر نمط ابتزاز واضح: يُقدَّم البلاغ الوهمي أولاً، ثم يُطلب مبلغ مالي مقابل سحبه، لأن انتظار مراجعة ميتا قد يستغرق أسابيع ويكلف الصفحة خسائر أكبر.

هذا الخلل لا يصيب صناع المحتوى الترفيهي وحدهم. صفحات تحقيقات وتدقيق حقائق وصحف رقمية وثّقت إزالة صور وتقارير بحجة انتهاك حقوق النشر، رغم أن المحتوى صحفي أو تحليلي أو مقارنة بصرية مشروعة. وفي بعض الحالات اختفى خيار المراجعة من الإشعارات اللاحقة، ووصلت الصفحات إلى مرحلة التحذير من الحذف بعد سلسلة بلاغات متتالية. هكذا يتحول نظام الحماية إلى أداة ضغط يمكن لأي طرف سيئ النية استخدامها لإرباك العمل الإعلامي.

*الصحفيون يدفعون ثمن نظام لا يفرّق بين الانتهاك والعمل المهني*
العمل الصحفي يحتاج إلى الاقتباس، والعرض، والمقارنة، وإعادة استخدام مواد ضمن حدود التغطية والتعليق. لكن الأنظمة الآلية غالباً ما تقرأ الصورة أو المقطع بمعزل عن السياق، فتتعامل مع تقرير إخباري كما لو كان نسخاً تجارياً لمحتوى محفوظ. وحين تُحذف المادة، لا يتوقف الضرر عند منشور واحد؛ بل يتأثر أرشيف الصفحة، وتقل ثقة الجمهور، ويتراجع الوصول العضوي، وتتعطل الحملات الإعلانية المرتبطة بالأخبار العاجلة.
الأخطر أن الصفحات الإخبارية تعمل وفق زمن الخبر. تأخير الاستئناف يوماً أو يومين قد يُفقد المادة قيمتها تماماً. وإذا تكررت الضربات، تدخل الصفحة في دائرة المخاطر الإدارية: قيود على النشر، تهديد بالحذف، أو إضعاف الحساب أمام الخوارزمية. في هذه اللحظة لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، بل عائقاً تشغيلياً يومياً.
*ازدواجية صارخة: تشدد على الشرعيين وتراخٍ مع المحتوى الزائف*
المفارقة أن المنصات نفسها تعاني من شبكات صفحات تنتج أخباراً ملفقة ومحتوى مولَّداً بالذكاء الاصطناعي بهدف النقر والإعلان، بينما تُرهق الصفحات الأصلية ببلاغات وقيود. حين يسهل على المزارع الإخبارية المزيفة الضخ والربح، ويصعب على المؤسسة الصحفية حماية صفحتها من بلاغ وهمي، فإن الخلل لم يعد تقنياً فقط، بل معيارياً: من يُحمى فعلاً؟ ومن يُترك ليواجه الآلة وحده؟

*كيف ينعكس ذلك على الشركات والصفحات الإخبارية؟*
التعطيل هنا عملي ومباشر. فرق التحرير تُضطر إلى تخصيص ساعات للمتابعة القانونية والاستئناف بدلاً من التغطية. الحملات المدفوعة تتوقف إذا حُذفت المواد أو عُلّقت الصفحة. العقود مع المعلنين تتأثر لأن الاستقرار الرقمي لم يعد مضموناً. والشركات الصغيرة والمتوسطة أضعف، لأنها لا تملك فرقاً قانونية ولا علاقات مباشرة مع المنصة. حتى بعد استعادة المحتوى، يبقى الأثر: انخفاض الوصول، وارتباك الجمهور، وإحساس دائم بأن الصفحة مهددة في أي لحظة ببلاغ جديد.
*ما الذي يجب أن يتغير؟*
لا يكفي أن تعلن ميتا أنها تحارب الاحتيال أو أنها تختبر أنظمة أذكى. المطلوب حد أدنى من العدالة الإجرائية: التحقق من صفة مقدّم بلاغ حقوق النشر قبل التنفيذ الفوري، ومنع تكرار البلاغات من مصادر مجهولة أو متطابقة، وتوفير مسار استئناف سريع وواضح للصفحات الإخبارية الموثقة، والتمييز بين الاستخدام الصحفي المشروع والنسخ التجاري، وزيادة المراجعة البشرية في الحالات التي تهدد بقاء الصفحة لا مجرد منشور عابر.
كما ينبغي أن تتحمل المنصة مسؤولية الضرر حين يتبين أن البلاغ وهمي وأن الإزالة كانت خاطئة، لا أن يُترك الصحفي والخسارة عليه وحده. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في كشف الأنماط الاحتيالية واسعة النطاق، لكنه يجب ألا يُستخدم ذريعة للتنفيذ الأعمى.
*خاتمة*
ميتا تملك أدوات تقنية هائلة، لكن قوتها الحالية لا تُقاس بعدد النماذج التي تشغّلها، بل بقدرتها على حماية العمل المشروع من الإساءة المنظمة. إذا استمر نظام البلاغات الوهمية بلا ضبط حقيقي، وإذا بقيت الصفحات الإخبارية تواجه الحذف والتعليق والاستنزاف بينما يتأخر الإنصاف، فإن التحول الرقمي الذي تروّج له الشركة سيبقى ناقصاً: ذكاء يسرّع القرار، لكنه لا يضمن العدالة. والمستقبل الإعلامي على هذه المنصات لن يستقر ما لم تُعامل الصفحات الصحفية بوصفها شريكاً في المجال العام، لا مجرد حساب يمكن إسكاته ببلاغ لا يُفحص.