وكالة عمرة الإخبارية – نورالدين نديم
ماذا لو كان الإنسان حراً على الورق، ومقيداً في حياته؟
ماذا لو لم نعد بحاجة إلى سلسلة في عنق إنسان كي نمنعه من الرحيل، ولا إلى سوط كي نجبره على العمل، ولا إلى سوق نخاسة كي نشتري حريته؟!
ماذا لو كان يكفي أن نضع أمامه قانوناً أو ديناً أو عقد عمل أو حتّى خوفاً على لقمة عيشه، ثم نقول له: أنت مواطن حر؟!
هذه ليست دعوة لوصف مجتمعاتنا بالعبودية، ولا مساواة بين العامل والعبد، فالفارق القانوني والتاريخي والأخلاقي واضح.
لكنها بذات الوقت محاولة لطرح سؤال: هل يمكن أن يتحول القانون الذي يفترض أن يحمي الحرية إلى أداة لإنتاج أشكال جديدة من الإخضاع؟!
التاريخ يقول إن ذلك حدث بالفعل، في الولايات المتحدة لم تكن العبودية مجرد ممارسة اجتماعية خارج القانون، بل حظيت في مراحل تاريخية بتنظيم تشريعي، عُرفت بقوانين تنظم وضع المستعبدين وحقوق مالكيهم، ووصل الأمر في بعض الولايات إلى تجريم تعليم العبيد القراءة والكتابة.
ثم جاء قانون العبيد الفارين عام 1850 ليُلزم السلطات بالمساعدة في إعادة العبيد الفارين ومعاقبة من يساعدهم.
كان القانون إذاً لا يحمي المظلوم دائماً، بل كان في لحظة تاريخية يحمي النظام الذي يستعبد البشر ويصنع الظلم.
لكن المفارقة أن القانون نفسه أصبح لاحقاً أداة لتحرير الإنسان، فقد جاءت اتفاقية الرق لعام 1926 ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتضع العبودية وتجارة الرقيق في دائرة الحظر وتؤكد أن الإنسان لا يجوز أن يكون ملكاً لإنسان آخر.
وهنا يكمن الدرس الأهم: القانون ليس مقدساً لمجرد أنه قانون، وأن قيمته لا تقاس فقط بمن أصدره أو بعدد الأصوات التي أقرته، وإنما بالحقوق التي يحميها والعدالة التي يحققها والإنسان الذي يخدمه.
وفي عالم اليوم لا يمكن الحديث عن عبودية بالمعنى التاريخي لمجرد وجود الفقر أو العمل المأجور، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أشكال الإكراه والاستغلال الاقتصادي التي توثقها المؤسسات الدولية.
فمنظمة العمل الدولية قدرت عدد الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع العمل الجبري عام 2022 بنحو 27.6 مليون إنسان، وقدرت الأرباح غير المشروعة الناتجة عن هذا الاستغلال بنحو 236 مليار دولار سنوياً.
كما تشير إلى ظاهرة “عبودية الدَّين”، حين يتحول الدَّين إلى قيد يجبر الإنسان على العمل لسداده.
الأرقام لا تقول إن كل فقير عبد، لكنها تقول شيئاً آخر: إلغاء العبودية قانونياً لم يُلغ كل أشكال الاستغلال والإكراه.
في الأردن لا يجوز وصف المواطن بأنه عبد بأي حالٍ من الأحوال لا قانونياً ولا تاريخياً ولا تحت أي مسمّى.
لكن واقع الاقتصاد وسوق العمل يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.
فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين وفق البيانات الرسمية 16.1% في الربع الرابع من عام 2025، فيما بلغت نسبة الدين الحكومي وفق بيانات وزارة المالية وباستثناء حيازات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي نحو 36.56 مليار دينار، أي 83.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
مرة أخرى هذه الأرقام لا تعني بأي حال من الأحوال ولا يجوز ولا نقبل أن يستخدمها البعض للغمز واللمز بوجود عبودية، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: كم يملك الإنسان من حرية الاختيار عندما يكون مهدداً بفقدان مصدر رزقه، أو عاجزاً عن تأمين قوت عياله وتأمين السكن والتعليم والعلاج، أو مثقلاً بالديون وتكاليف المعيشة؟
فالحرية ليست فقط أن تفتح باب السجن ولا تجد حول معصمك قيداً.. الحرية أن تستطيع أن تقول “لا” دون أن تخسر كل شيء، وأن تستطيع الاعتراض دون أن يصبح مستقبلك ثمناً لموقفك.. أن تكون قادراً على اختيار عملك وتعليم أبنائك ومسكنك ومستقبلك، لا أن تتحول الضرورات الاقتصادية إلى سلسلة قيود غير مرئية تقود خياراتك.
ومن هنا تصبح القضية أخطر من مجرد علاقة بين المواطن والقانون، فمن يكتب القوانين؟ ولمن؟ ومن يدفع ثمنها؟ ومن يستفيد منها؟
هل تُدرس آثار التشريع على الفقراء والطبقة الوسطى – إن بقي طبقة وسطى- قبل إقراره؟ هل توجد بيانات تقيس نتائجه بعد تطبيقه؟ هل يستطيع المواطن الاعتراض؟ وهل يمتلك البرلمان الأدوات الكافية لمراقبة السلطة التنفيذية؟
هذه ليست أسئلة عدائية للدولة، بل على العكس إنها جوهر الدولة التي تحترم مواطنيها.
فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يصدر قانون سيئ فقط، وإنما عندما يتوقف الناس عن السؤال: لماذا صدر؟ ولمن؟ وما أثره؟ وهل يمكن تغييره؟
لقد عرف التاريخ زمناً كان فيه القانون يمنع الإنسان من التعلم لأنه عبد، ثم جاء زمن أصبح فيه القانون نفسه يحمي حقه في التعليم، وهذا يعني أن التشريع يمكن أن يكون قيداً ويمكن أن يكون مفتاحاً.
المسألة إذن ليست في وجود القانون، بل في فلسفته وفيمن يضعه وفيمن يملك القدرة على مراجعته وتغييره.
لذلك يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نصنع قوانين لتحرير الإنسان، أم نصنع إنساناً يتكيف مع القيد لأنه أصبح قانونياً؟
فإذا كانت الحرية لا تعني في النهاية سوى أن تختار بين عدة أقفاص، فالمشكلة ليست في عدد الأقفاص…
بل في السؤال: لماذا توجد الأقفاص أصلاً؟