عمرة الإخبارية _ العين فاضل محمد الحمود
لم تكن القدس في وجدان الهاشميين رقعةً من جغرافيا ولا عنوانًا تفرضها السياسة وتقلبات الأحداث، بل هي نبضٌ يسري في وجدان الهاشميين، وعهدٌ تتوارثه القلوب قبل الوعود، وأمانةً نُحتت في الضمير الأردني وخُلّدت في صفحات التاريخ، ليأتي حديث جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه داعيًا وبكل ثقةٍ إلى ضرورة إيجاد موقف عربي إسلامي ثابت وموحّد للدفاع عن قدس الأقداس، ليكون صوت الحكمة مُرتفعًا فوق ضجيج الصراعات وإزعاج التداعيات، ليحمل مسؤولية إيقاظ الضمير الجمعي للأمّة، مُبتعدًا بذلك عن لغة الخطابات السياسية العابرة أو المواقف التي تولد من رحم لحظات التوتر، وليكون بذلك امتدادًا لنهجٍ هاشمي راسخ يعرف القدس كما يعرف الأب ملامح أبنائه، ويحمل همّها كما يحمل المؤمن أمانته، لتُجسد الكلمات قناعةً ثابتة بأن القدس ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، ولا مسؤوليةً أردنيةً خالصة، بل هي قضية أمّة، واختبارٌ حقيقي لصدق الموقف العربي والإسلامي، وميزانٌ تُقاس به قدرة الأمّة على حماية كرامتها.
إن السنين التي مضت حملت الدليل على قيمة الوصاية الهاشمية التي كانت وما زالت وستبقى الدرع الرادع لتغوّل الكيان الصهيوني على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفقَ ما حملته من رفضٍ لأي تغييرٍ في ذات الهوية الدينية المقدسة، وإبقاء المسجد الأقصى كحقٍ خالصٍ لمسلمي العالم، فكانت عمّان وكعادتها الجامعة للموقف والموجهة للرأي والفارضة للحق والناطقة بالحقيقة، لا سيما بعد استضافتها للاجتماع الوزاري العربي لحماية المدينة المقدسة، الذي كان دعوةً صريحةً وحتمية لمواجهة السياسات غير القانونية للجانب المحتل الذي استغل الاضطرابات السياسية في المنطقة لمحاولة فرض واقع جديد في القدس، ليصل وقر صوت الأردن إلى مسامع العالم بأنه الثابت على دوره التاريخي والقانوني في رعاية القدس.
إن موقف جلالة الملك يحمل الاتزان والحكمة، ويجمع بين الوضوح والرصانة، ويستند إلى شرعيةٍ تاريخية ومسؤولية سياسية ودينية تجلّت في الوصاية الهاشمية التي حُملت بإخلاص، فأحكمَ مداخلها جلالة الملك الذي حملها بعزمٍ لا يلين، وبحكمةٍ تخاطب الضمير، وتحركٍ دبلوماسي يضمن الثبات بوجه التحديات، ويؤكد بأن الأردن وبالرغم من ظروفه الاقتصادية وموقعه السياسي، إلا أنه ما زال قادرًا على كسر جمود المجابهة، ودفع الموقف باتجاه الجدية، وردع الاعتداءات المتتالية لكيانٍ غاشمٍ لا تأخذه بالباطل لومةُ لائم.
إن حديث جلالة الملك الأخير كان صوت التاريخ الذي يُذكّر الأمّة بأمانتها، وصوت القدس وهي تنادي أبناءها، وصوت الأردن وهو يجدد العهد بأن تبقى القدس بالقلب قبل الخرائط، وفي الضمير قبل السياسة، وأن تبقى غُرّة الأولويات التي نُرخص من أجلها الغالي والثمين. وهنا، وكأن جلالة الملك يربّت بيده على قلب القدس وهو يهمس لها: لا تحزني، فإن الخطر زائلٌ عنك لا محال.