عمرة الاخبارية ـ عمر الدريني
حين يصبح المستثمر رهينةَ التأخير، وتتحول الرخصة من حقٍّ ينظمه القانون إلى بابٍ تُطرَق عليه الواسطة
هناك لحظة لا ينساها المستثمر: يقف أمام مكتب حكومي وقد أنفق ماله، واستأجر موقعًا، وأعد مخططاته، وربما بدأ التزاماته قبل أن يبدأ مشروعه فعليًا.
ولا يريد من الجهة الرسمية معروفًا.
يريد فقط أن يعرف: ماذا ينقصني؟ من المسؤول؟ ومتى تنتهي معاملتي؟
لكن المشكلة تبدأ حين لا يجد جوابًا واضحًا؛ حين تتحول معاملته إلى «راجعنا غدًا»، أو «المعاملة عند فلان»، أو «هناك ملاحظة»، من دون أن يعرف ما الملاحظة، ومن صاحب القرار، ومتى ينتهي الانتظار.
هنا يصبح الغموض أخطر من القانون.
ومن هنا يأتي السؤال:
*أين الرقابة والمساءلة؟*
ليس السؤال اتهامًا لأمانة عمّان الكبرى، ولا حكمًا على موظفيها، فالمؤسسة تضم آلاف الموظفين الشرفاء الذين يؤدون واجبهم.
السؤال أوسع:
هل منظومة الرقابة قادرة على منع استغلال الوظيفة قبل وقوعه، لا الاكتفاء بملاحقته بعد وقوعه؟
فإذا وصلت بعض القضايا إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد والقضاء، فلا يكفي أن نسأل: من أخطأ؟
بل يجب أن نسأل أيضًا:
كيف استطاع الخطأ أن يحدث؟
*المستثمر لا يخاف من القانون، بل من غموضه*
المستثمر يقبل الشروط، ولو كثرت، متى كانت معلنة وموحدة وتنطبق على الجميع.
ويقبل الرفض إذا كان قانونيًا ومسببًا، وينتظر إذا كانت المدة محددة.
لكن ما يهدم الثقة هو أن تتغير المتطلبات، وتتوقف المعاملة بلا تفسير، ويصبح الوصول إلى المعلومة مرتبطًا بموظف بعينه، حتى يشعر صاحب المشروع أن إنجاز حقه يحتاج إلى «من يعرف من».
عندها تنتقل القوة من القانون إلى الفرد.
وهذه أخطر نقطة يمكن أن تصل إليها الإدارة العامة.
*حين تدخل الرشوة من باب الترخيص*
في أيار 2026، أعلنت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد توقيف أحد مديري مناطق أمانة عمّان واثنين من معقبي المعاملات 15 يومًا على ذمة التحقيق، في قضية قالت الهيئة إن التحقيقات فيها كشفت طلب 40 ألف دينار من أحد المستثمرين لترخيص محل «كافيه» في عمّان، بعد أن جرى ــ وفق إعلانها ــ تتبع المعلومات ورصد الحالة وجمع الأدلة.
الرقم كبير، لكن الخطر أكبر من الرقم.
فالمستثمر لا يخسر المال وحده؛ قد يخسر الوقت، والفرصة، والثقة، وربما مشروعًا كان يمكن أن يوفر وظائف ويحرّك الاقتصاد.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس فقط:
من طلب المال؟
بل:
كيف تحولت صلاحية إدارية إلى ورقة ضغط على المستثمر؟ وأين كانت الرقابة قبل أن تصبح القضية ملفًا لدى هيئة النزاهة؟
وفي واقعة أخرى أعلنت الهيئة توقيف موظف في أمانة عمّان على ذمة التحقيق بجناية الرشوة، وقالت إنه هدد صاحب محل «بيت درج» بالإغلاق إن لم يدفع مبلغًا شهريًا.
هنا نرى وجهًا آخر للمشكلة: عندما يمتلك الموظف سلطة الرقابة والإغلاق، يصبح صاحب المهنة في موقف ضعف، ولذلك يجب أن تقابل السلطة برقابة أشد وضمانات أوضح.
وفي قضية ثالثة، أعلنت الهيئة توقيف رئيس إحدى الشعب في الأمانة بجنحة استثمار الوظيفة، وقالت إنه أوهم صاحب محل غير مرخص بقدرته على ترخيصه، وتلقى منه دفعات باعتبارها رسومًا، قبل أن يكتشف صاحب المحل ــ وفق ما أعلنته الهيئة ــ أن المعاملة لا أصل لها.
وهذه الواقعة تطرح سؤالًا إداريًا لا يقل أهمية عن القضية نفسها:
كيف تكون هناك «معاملة» لا يستطيع النظام تتبع أثرها؟
في الإدارة الحديثة يجب أن تكون لكل معاملة هوية واضحة: رقم، وتاريخ، ومرحلة، ومسؤول، وسبب للتأخير أو الرفض، ومدة متوقعة للإنجاز.
*المعاملة يجب أن تكون بيانات، لا قصة يرويها المواطن.*
لا يكفي أن نعاقب الموظف؛ يجب أن نسأل: كيف استطاع؟
المساءلة القضائية ضرورية، وقد شهد عام 2023 حكمًا بإدانة موظف في أمانة عمّان بجريمتي استثمار الوظيفة والاحتيال، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الأردنية.
لكن العقوبة ليست نهاية الإصلاح.
بعد كل قضية يجب أن تبدأ أسئلة أخرى:
هل روجعت الإجراءات؟
هل دققت المعاملات المشابهة؟
هل فُصلت الصلاحيات؟
هل أُغلقت الثغرة التي سمحت بالتجاوز؟
العقوبة تحقق العدالة تجاه من تثبت مسؤوليته، أما إغلاق الثغرة فيحقق العدالة تجاه المجتمع كله.
فالفساد لا يبدأ دائمًا شبكة؛ قد يبدأ بتأخير، ثم استثناء، ثم واسطة، ثم معقب، ثم طلب مالي، ثم يصبح سلوكًا متكررًا يصعب اكتشافه إذا لم تكن الرقابة استباقية.
راقبوا الزمن كما تراقبون المال
ليس كل تأخير فسادًا؛ فقد تكون هناك أسباب فنية أو قانونية حقيقية.
لكن التأخير غير المفسر يصبح خطرًا عندما لا يعرف المواطن: لماذا تأخرت معاملته؟ من المسؤول؟ متى تنتهي؟ وما حقه في الاعتراض؟
لذلك ينبغي ألا تراقب الإدارة المال وحده، بل الزمن أيضًا.
إذا كانت معاملة تنجز خلال أيام وبقيت أخرى أسابيع بلا سبب واضح، فهذه إشارة.
وإذا تكدست الملفات لدى موظف، أو ارتفعت الشكاوى حول قسم أو إجراء، فهذه إشارات أخرى.
الرقابة الحديثة لا تنتظر الشكوى فقط؛ بل تقرأ البيانات وتبحث عن النمط غير الطبيعي قبل أن يتحول إلى فساد.
ماذا نريد؟
لا نريد شعارات ضد الرشوة فقط، بل نظامًا يجعل الرشوة أصعب.
نريد لكل ترخيص مسارًا إلكترونيًا واضحًا، ورقمًا قابلًا للتتبع، وشروطًا ورسومًا ومددًا معلنة، وسببًا مكتوبًا لكل تأخير أو رفض، وفصلًا بين من يستقبل الطلب ومن يدققه ومن يقرر بشأنه.
ونريد تحليلًا دوريًا للمعاملات والشكاوى، وتدقيقًا عشوائيًا للملفات الحساسة، وقنوات آمنة للإبلاغ، ومراجعة للمعاملات المرتبطة بالموظفين الذين تثبت إدانتهم في قضايا استثمار الوظيفة، بحثًا عن أي نمط مشابه.
والأهم:
لا تجعلوا الموظف مالكًا للمعلومة.
فحين يعرف المواطن الشروط والرسوم والمدة ومسار الاعتراض وآلية الشكوى، تضيق المساحة التي تعيش فيها الواسطة.
*وفي النهاية أين الرقابة؟*
ربما لا ينبغي أن نقيس نجاح الإدارة بعدد الموظفين الذين عوقبوا، بل بعدد المخالفات التي منعها النظام قبل وقوعها.
ولا بعدد الشكاوى التي وصلت إلى هيئة النزاهة، بل بعدد الشكاوى التي لم يحتج المواطن إلى تقديمها لأن الإجراءات كانت واضحة وعادلة من البداية.
ولا بعدد المستثمرين الذين دخلوا السوق فقط، بل بعدد من خرجوا من تجربتهم وهم يشعرون أن القانون كان حليفهم.
فالدولة القوية ليست التي تعاقب بعد وقوع الضرر، بل التي تبني نظامًا يجعل الخطأ أصعب، واكتشافه أسرع، وإخفاءه شبه مستحيل.
الرخصة ليست مِنّة من موظف، والوظيفة العامة ليست ملكًا لمن يشغلها، والاستثمار ليس غنيمة لمن يملك سلطة التوقيع. إنها أمانة.
والمستثمر لا ينبغي أن يسأل:
«من تعرف؟»
بل:
«ما الذي ينص عليه القانون؟»
وأصدق رسالة استثمارية يمكن أن يقدمها الأردن ليست شعارًا في مؤتمر، بل تجربة بسيطة:
*«قدّم طلبك واترك القانون يعمل.»*
فحين يصبح القانون هو الطريق الأقصر، والشفافية هي اللغة الأولى، والرقابة حاضرة قبل وقوع الخلل، عندها فقط لا تكون المساءلة مجرد عقوبة، بل تصبح ثقافة دولة.