عمرة الاخبارية ـ بقلم عمر الدريني
ليست قوة الدول في كثافة نصوصها القانونية، ولا في حجم مؤسساتها، ولا في عدد قراراتها اليومية، بل في سؤال واحد بسيط وعميق في آنٍ معًا: هل يشعر المواطن أن القانون يعمل لصالحه دون وسيط، ودون استثناء، ودون أن يتسلل النفوذ بينه وبين حقه؟
في لحظة ما من عمر أي دولة، يصبح التحدي الحقيقي ليس في صناعة القرار، بل في حماية حياده. فالمؤسسات قد تكون قائمة، والهياكل الإدارية قد تكون مكتملة، لكن جوهر الدولة يظل معلقًا على شيء غير مرئي: الثقة بأن المنصب العام لا ينحرف عن المصلحة العامة.
الوزارة، في معناها العميق، ليست مركز قوة، بل مركز اختبار. اختبار دائم بين ما هو شخصي وما هو عام، بين ما هو عاطفي وما هو قانوني، بين ما هو قريب وما هو عادل. وكل قرار يصدر من هذا الموقع لا يُقرأ باعتباره إجراءً إداريًا فقط، بل يُقرأ باعتباره رسالة ضمنية عن شكل الدولة واتجاهها.
حين يشعر المواطن أن الوصول إلى الحق لا يحتاج إلا إلى استحقاقه، تتراجع الحاجة إلى الوساطة، وتذوب الفوارق غير العادلة بين الناس، أما حين يتسلل إلى الوعي العام أن العلاقات قد تُسرّع مسارًا، أو أن النفوذ قد يخفف عبئًا، أو أن القرب قد يفتح بابًا لا يُفتح لغيره، فإن الثقة لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت، خطوة بعد خطوة.
ولذلك، فإن أخطر ما يواجه الإدارة العامة ليس الخطأ الظاهر، بل الانطباع غير المعلن بأن معيار القرار قد لا يكون واحدًا دائمًا، فالعدالة لا تُقاس فقط بما يُعلن، بل بما يُفهم ويُشعر به الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
الوزير، أو أي مسؤول في موقع القرار، لا يُختبر عندما يكون الخيار واضحًا، بل عندما تتداخل الحدود بين العام والخاص، وبين القانون والعلاقة، وبين الواجب والرغبة. هناك فقط يتحدد الفرق بين سلطة تُدار بوصفها أمانة، وسلطة تُستثمر بوصفها امتيازًا.
وليس المطلوب من المنصب العام أن يُلغي العلاقات الإنسانية أو ينكر طبيعة المجتمع، بل أن يمنع هذه العلاقات من أن تتحول إلى معيار في توزيع الحقوق أو توجيه القرارات، فالمجتمع بطبيعته شبكة من الروابط، لكن الدولة الحديثة لا تُبنى على هذه الروابط، بل على قدرتها على تجاوزها حين يتعلق الأمر بالعدالة.
وحين تنجح الدولة في هذا الاختبار، تصبح أكثر من مجرد جهاز إداري؛ تصبح فكرة مطمئنة في وعي مواطنيها، فكرة تقول إن الإنسان لا يحتاج إلى واسطة ليُعامل بإنصاف، ولا إلى قرب ليُسمع صوته، ولا إلى نفوذ ليُؤخذ حقه بعين الاعتبار.
وفي المقابل، حين يضعف هذا الإحساس، فإن الضرر لا يصيب فردًا أو قرارًا، بل يصيب البنية النفسية للعلاقة بين المواطن والدولة. لأن المواطن لا يقيس الدولة فقط بما تعطيه، بل بالطريقة التي تعطيه بها.
لهذا، فإن قيمة أي مسؤول لا تُقاس بما يمنحه من استثناءات، بل بما يمنعه من استثناءات لا يبررها القانون، فكلما تقلصت مساحة الاستثناء، اتسعت مساحة الدولة، وكلما تضخمت، تراجعت هيبتها دون حاجة إلى أزمة أو انهيار معلن.
وفي النهاية، لا يبقى من التجربة الإدارية إلا أثر واحد: هل شعر الناس أن الدولة أقرب إليهم أم أبعد عنهم؟ هل كان المنصب العام جسرًا نحو العدالة، أم حاجزًا بينها وبينهم؟
التاريخ لا يحتفظ بتفاصيل القرارات اليومية، لكنه يحتفظ بمعناها العام. يحتفظ بالدول التي جعلت من المنصب أداة لتكريس المساواة، كما يحتفظ بتلك التي سمحت بانزياح المعايير.
وهكذا، تبقى الحقيقة الأهم: أن الدولة لا تُختبر بكثرة ما تملكه من سلطة، بل بنوعية من يمارسها، لأن السلطة في ذاتها محايدة، لكنها تصبح عادلة أو منحرفة بحسب من يحملها، وبحسب ما إذا كان يرى فيها مسؤولية تتقدم على الذات، أو فرصة تتقدم على كل شيء آخر.