عّمرة الإخبارية – ضرار الشبول
بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى المستطيل الأخضر، نجح الأردن في توجيه عدسة الاهتمام إلى أماكن أخرى إلى المدرج الروماني في قلب العاصمة عمّان، وإلى مدينة جرش الأثرية في شمال المملكةوصولا إلى العقبة في الجنوب حيث يلتقي البحر بالحياة اليومية في ثغر الأردن الباسم.

لم يكن اختيار جرش تفصيلا عابرا، ولا مجرد مساحة تتسع لآلاف المشجعين فالمدينة التي تمتد جذورها لأكثر من ألفي عام والتي شهدت تعاقب حضارات تركت أثرها في حجارتها ومسارحها وساحاتها تحولت خلال ساعات إلى مشهد بصري حمل رسالة أبعد من حدود الرياضة.

من بين الأعمدة الرومانية والساحات الحجرية خرجت صورة قدمت الأردن كما هو بلد لا يفصل بين ماضيه وحاضره ولا يضع تاريخه في المتاحف بل يعيشه في تفاصيل يومه وما التقطته عدسات الكاميرات لم يكن مجرد جمهور يتابع مباراة، بل مشهدا متكاملا أعاد تعريف المكان نفسه.

آلاف الأردنيين داخل مدينة أثرية في صورة تختصر ما لا تستطيع حملات تسويقية بملايين الدولارات تحقيقه، فبدل أن يقول الأردن للعالم “لدينا حضارة”، ترك الصورة تقول ذلك بوضوح، وبدل أن يقدم جرش كموقع سياحي ظهرت كمدينة حية، تستقبل الناس وتعيد إنتاج اللحظة فوق تاريخها الممتد لقرون.

الكاميرات التي جاءت لتغطية مباراة كرة قدم وجدت نفسها أمام مشهد آخر أعمدة جرش وساحاتها تتحول إلى بطل في الصورة لا مجرد خلفية لها، وبين ملايين المشاهدات على المنصات العالمية، لم يعد السؤال عن النتيجة فقط، بل عن المكان الذي احتضن الحدث وعن المدينة التي جمعت بين الذاكرة واللحظة في إطار واحد.

ومن جرش إلى المدرج الروماني في عمّان، اكتملت الدائرة، مدرج بني قبل نحو ألفي عام ليجمع الناس، عاد اليوم ليؤدي وظيفته ذاتها لكن بلغة زمن مختلف.

وفي العقبة امتد المشهد جنوبا، حيث تحولت المساحات المطلة على البحر الأحمر إلى نقاط تجمع جماهيرية عفوية، في مدينة تجمع بين الطابع السياحي والحركة اليومية، لتظهر المتابعة كجزء من الإيقاع العام للحياة في الجنوب.

هذه الصور لم تكن عابرة فقد التقطتها وسائل إعلام ومنصات دولية وتداولها الملايين حول العالم ليس فقط بسبب الحدث الرياضي بل لأن خلفه كانت تقف جغرافيا كاملة تحمل تاريخا ممتدا.

قد تنتهي المباريات وتطوى صفحات البطولة لكن الصورة التي خرجت من جرش والمدرج الروماني ستبقى أطول عمرا من صافرة النهاية، صورة تقول إن الأردن لا يملك تاريخا عريقا فحسب بل يعرف كيف يقدمه للعالم ببساطة وذكاء وبمشهد واحد اختصر قرونا من الحكاية.