عمرة الإخبارية- تُعد مدينة النبطية، الواقعة في جنوب لبنان، والتي تتبع لقضاء النبطية ضمن محافظة النبطية، واحدة من أبرز المدن الجنوبية من حيث الثقل السكاني والدور الإداري والاقتصادي، وتشكل مركز المحافظة وعصبها الحيوي، نظراً لموقعها الجغرافي ودورها التاريخي في الحياة السياسية والاجتماعية للجنوب اللبناني.
تقع النبطية وسط منطقة جبلية تحيط بها مرتفعات من الشرق والغرب، ما منحها أهمية جغرافية وعسكرية على مر العقود، اذ ينتشر من حولها الأودية والتلال التي تشرف على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، الأمر الذي جعلها منطقة ذات أهمية إستراتيجية خلال مختلف الصراعات التي شهدتها المنطقة.
وتشير روايات تاريخية متعددة إلى أن اسم النبطية قد يكون مشتقاً من “الأنباط” الذين استوطنوا أجزاء من بلاد الشام، فيما تربط روايات أخرى التسمية بوفرة المياه والينابيع في المنطقة من خلال تعبير “نبط الماء”
وتزخر النبطية بعدد من المعالم التاريخية والأثرية التي تعكس تعاقب الحضارات على المنطقة، ومن أبرزها قلعة الشقيف (قلعة بوفور) التي تشرف على أجزاء واسعة من الجنوب، وسوق الاثنين الشعبي الذي يعد من أقدم الأسواق التقليدية في لبنان، إضافة إلى الجامع القديم وعدد من الكنائس والمعالم الدينية التي تجسد التنوع الثقافي والاجتماعي للمدينة.
وتُصنف النبطية بين أكبر المدن اللبنانية من حيث عدد السكان، كما تتميز بتنوعها الاجتماعي والديني، مع حضور غالب للطائفة الشيعية إلى جانب مكونات أخرى من السنة والمسيحيين.
النبطية في قلب الصراع اللبناني الإسرائيلي
منذ سبعينيات القرن الماضي، وجدت النبطية نفسها في قلب المواجهة بين لبنان وإسرائيل بحكم قربها النسبي من الشريط الحدودي الجنوبي وموقعها على خطوط الإمداد والاتصال بين العديد من القرى الجنوبية.
وشهدت المدينة تداعيات عملية الليطاني التي أطلقتها إسرائيل في مارس/آذار 1978 بهدف إبعاد الفصائل الفلسطينية المسلحة عن الحدود الشمالية لإسرائيل، العمليات العسكرية التي اسفرت آنذاك عن أضرار واسعة ونزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطق الجنوب، بما فيها النبطية.
وفي عام 1982، تأثرت المدينة بالاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان، الذي وصل إلى العاصمة بيروت، وشكل نقطة تحول في المشهد الأمني والسياسي اللبناني، حيث برزت خلال السنوات اللاحقة حركات مقاومة محلية كان الجنوب اللبناني أحد أهم ساحاتها.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، تعرضت المنطقة لتداعيات عمليتي “تصفية الحساب” عام 1993 و”عناقيد الغضب” عام 1996 اللتين شنتهما إسرائيل ضد أهداف في لبنان، وألحقتا أضراراً بشرية ومادية بعدد من البلدات الجنوبية، من بينها النبطية ومحيطها.
كما كانت المدينة ضمن المناطق المتضررة من حرب يوليو/تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، والتي شهدت قصفاً واسعاً للبنية التحتية وموجات نزوح كبيرة من القرى والمدن الجنوبية.
من حرب غزة إلى المواجهات الأخيرة
عادت النبطية إلى واجهة الأحداث الأمنية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما شهد الجنوب اللبناني مواجهات متبادلة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله على طول الحدود.
وخلال عام 2024 تعرضت المدينة ومحيطها لسلسلة من الغارات والعمليات العسكرية التي تسببت بخسائر بشرية ومادية وأدت إلى نزوح عدد من السكان، في ظل تصاعد التوترات على الجبهة اللبنانية.
ومع اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى خلال عام 2026، عادت النبطية ومحيطها إلى دائرة الاهتمام الأمني والعسكري في جنوب لبنان، اذ شهدت المنطقة تصاعداً في وتيرة الغارات الإسرائيلية والعمليات العسكرية على عدد من البلدات الجنوبية، في ظل مخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي وانعكاساته على الساحة اللبنانية.
وتزامنت هذه التطورات مع تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران، ما أثار مخاوف من تحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة مواجهة إضافية ضمن الصراع الإقليمي الأوسع أدى ذلك إلى موجات نزوح جديدة من بعض القرى الجنوبية، وسط حالة ترقب حذرة لاحتمالات توسع العمليات العسكرية وتداعياتها على الأمن والاستقرار في لبنان.
الأهمية العسكرية للمنطقة
يرى خبراء عسكريون أن أهمية النبطية لا تنبع فقط من حجمها السكاني أو دورها الإداري، بل أيضاً من موقعها الجغرافي الذي يربط عدداً من القرى والمرتفعات الجنوبية ببعضها البعض.
وتكتسب التلال والمرتفعات المحيطة بالمدينة أهمية خاصة في الحسابات العسكرية، إذ توفر إشرافاً ميدانياً على مساحات واسعة من المنطقة، وهو ما يجعل السيطرة عليها أو مراقبتها هدفاً متكرراً خلال المواجهات.
كما تشكل الأودية والتضاريس الوعرة المحيطة بالنبطية عاملاً مؤثراً في العمليات العسكرية، سواء في التحركات البرية أو في إدارة المعارك الدفاعية والهجومية، الأمر الذي يفسر استمرار التركيز العسكري على المنطقة خلال جولات التصعيد المختلفة.