غالبًا ما يُنظر إلى السلطة الرابعة بوصفها فضاءً واسعًا لحرية التعبير والنقد، مما قد يُولِّد انطباعًا خاطئًا بوجود حصانة مطلقة تنأى بالمؤسسات الإعلامية عن دائرة المساءلة الجنائية؛ غير أن القراءة المتعمقة للتنظيم القانوني لقطاع الإعلام تكشف عن واقع تشريعي مغاير، تجلّى بوضوح في المؤلَّف النوعي للأستاذ المحامي محمد قطيشات، المدير السابق لهيئة الإعلام المرئي والمسموع، تحت عنوان: “المسؤولية الجزائية للمحطات الإذاعية والتلفزيونية”؛ حيث يمثل هذا الكتاب مراجعة نقدية استشرافية تضبط إيقاع العلاقة بين الحرية الإعلامية والمسؤولية الجزائية في ظل الطفرات التكنولوجية المعاصرة.
فقد أفلح قطيشات في تفكيك العزلة النصية، ليُثبت أن العمل الإعلامي محكوم بتضافر قانوني ثلاثي الأبعاد: قانون الإعلام المرئي والمسموع، وقانون المطبوعات والنشر، وقانون العقوبات الأردني بوصفه الشريعة العامة في التجريم والعقاب. وهذا التقاطع يؤكد أن النص الخاص لا يُلغي العام، بل يتكامل معه لضمان عدم إفلات أي تجاوز إعلامي من المساءلة، خاصة في قضايا الذم والقدح أو المساس بالأمن الوطني.
وقد خلصت الدراسة إلى نتائج جوهرية تؤصل لهذه المسؤولية، أبرزها:
وحدة المسار العقابي:
فالمسؤولية الجزائية تتعدد بتعدد القوانين العقابية المنطبقة، مما يستدعي إلمامًا شاملًا بحدود القوانين كافة.
التأصيل القانوني للمسؤولية:
ثبّت قطيشات أن المسؤولية الجزائية للمحطات، بوصفها كيانات معنوية، تستند إلى المادة (74/2) من قانون العقوبات، رغم أن المشرّع في المادة (29) من قانون الإعلام المرئي والمسموع قد أقر مسؤولية المحطة في جميع الأحوال.
ويرسي هذا الكتاب مبدأ الخضوع المزدوج للمسؤولية الجزائية، وهو ما يتسق مع عنوان المؤلَّف ودلالة موضوعه:
مسؤولية الشخص الاعتباري (المؤسسة):
حيث تُسأل المحطة جزائيًا عن الجرائم المرتكبة باسمها، وتواجه عقوبات تتراوح بين الغرامات المالية الكبيرة ووقف البث أو إلغاء الترخيص. وهنا يضع المؤلف تفرقة دقيقة؛ فالمحطة تُسأل عن البرامج المسجلة لامتلاكها وقت المراجعة، بينما تُعفى في البث المباشر (كالمؤتمرات والندوات) ما لم يكن أصل الحدث غير مشروع أو مخالفًا للنظام العام.
مسؤولية الشخص الطبيعي (طاقم العمل):
تطبيقًا لمبدأ شخصية العقوبة، تظل مسؤولية الطاقم (مذيع، معدّ، مخرج، ضيف، ومدير محطة) قائمة. إلا أن قطيشات يرى إعفاء المحطة من أفعال هؤلاء إذا ثبت خروجها عن سيطرتها وإرادتها، رغم التزامها بكافة تعليمات الجهات الناظمة.
ولم يكتفِ المؤلف بتفكيك النصوص القانونية وتحليلها، بل قدّم توصيات إصلاحية لسد الثغرات القانونية الناجمة عن الفجوة بين النص القديم والواقع التقني، ويمكن إجمالها بالآتي:
عصرنة التعريفات:
دعا المؤلف إلى تعديل المادة الثانية لتعريف المحطة تعريفًا جامعًا يشمل البث عبر الإنترنت والتطبيقات، لضمان منع الإفلات من المساءلة الجزائية بحجة أن الوسيلة المستخدمة لا تندرج تحت مفهوم المحطة التقليدي.
تعديل النصوص الفضفاضة:
انتقد الباحث المادة (20/ل) من قانون الإعلام لعدم انضباط صياغتها، محذرًا من مخالفتها لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
معالجة التغذية الراجعة:
أوصى بإضافة نصوص تعالج مسؤولية المحطة عن تعليقات الجمهور وآرائه التفاعلية، مؤكدًا أن أحكام الاشتراك الجرمي التقليدية لم تعد تكفي للإحاطة بجرائم الفضاء الرقمي.
تحديث منظومة التراخيص:
شدّد على ضرورة إلغاء أو تعديل نظام الرسوم والتراخيص لسنة 2003، كونه لا يواكب التطور التقني، مما تسبب في فوضى المحطات غير المرخصة التي تبث عبر الإنترنت.
وتكمن القيمة المضافة لكتاب الأستاذ قطيشات في موازنته الدقيقة؛ فهو يقر بحق المحطات في ممارسة النقد وتغطية الجرائم، لكنه يُسيِّج هذا الحق بضوابط تحمي حقوق الآخرين وسير العدالة. وإن تبنّي هذه التوصيات يعني الانتقال بالتشريع الأردني إلى مرحلة الرقمنة المسؤولة، حيث تُكرَّس سيادة القانون دون تقييد الإبداع الإعلامي بنصوص فضفاضة، بما يضمن تقديمًا إعلاميًا مهنيًا وموضوعيًا، ومسؤولًا أمام القضاء والمجتمع على حد سواء، وهو ما أصبحنا بحاجة إليه في ظل ما نشهده من ممارسات على الفضاء الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي.
أحمد طناش شطناوي
رئيس رابطة الكتّاب الأردنيين / إربد