وكالة عمرة الإخبارية- حذّر الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور محمد صبحي العايدي من خطورة انتشار الفكر المتطرف، مؤكدًا أن مواجهته تتطلب رؤية وطنية متكاملة تبدأ بتشخيص أسبابه وتفكيك منطلقاته الفكرية، ولا تقتصر على التعامل مع الجرائم بعد وقوعها، بل تشمل تقييم أثر البرامج التي تنفذها المؤسسات المعنية بالوقاية منه.

وقال العايدي إن خطورة التطرف تظهر قبل ارتكاب الجريمة، عندما تنغلق العقول وتغيب الضمائر بفعل تأويلات مزيفة، فيُجرّد المخالف من حقه في الاختلاف، وقد ينتهي الأمر بحرمانه من حقه في الأمان والحياة. وأشار إلى أن الفترة الفاصلة بين تشكل الفكرة وتحولها إلى جريمة تتيح فرصًا للتربية والحوار والمراجعة وتصحيح الفهم، إلا أن هذه الفرص تضيق كلما تأخر المجتمع ومؤسساته في اكتشاف المشكلة ومعالجة جذورها.

واستشهد بقول النبي ﷺ: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»، موضحًا أن الانحراف يزداد خطورة عندما يُقدّم للناس على أنه دين، ويمنح أصحابه أنفسهم سلطة الحديث باسمه.

وبيّن أن التطرف لا يرتبط بدين أو مجتمع بعينه، بل قد يتخذ أشكالًا دينية أو سياسية أو قومية، وتكمن خطورته في احتكار تفسير الحقيقة وإغلاق أبواب النقد والمراجعة، وإنكار حق الآخرين في الاختلاف، ثم البحث عن مبررات لإقصائهم أو الاعتداء عليهم.

وأوضح أن من مظاهر هذا الانحراف الخلط بين الوحي المعصوم والفهم البشري القابل للصواب والخطأ، إذ يرفع المتطرفون اجتهاداتهم إلى مرتبة الدين، ويصورون الاعتراض عليها باعتباره اعتراضًا على الدين نفسه، ما يغلق باب النظر والاجتهاد ويحوّل السؤال إلى موضع تهمة.

وحذّر العايدي من التوسع في التكفير لدى الجماعات الدينية، وما قد يترتب عليه من تحريض واعتداء على المخالفين بغير حق، لافتًا إلى أن هذا النهج يسهم بصورة أساسية في نشر خطاب الكراهية وإضعاف الثقة الاجتماعية. وشدد على أن حماية حق الإنسان في الأمان تستلزم الالتزام بالعدل مع الناس على اختلافهم.

كما نبّه إلى خطورة ممارسات تيارات الإسلام السياسي التي توسّع دوائر الشك والتخوين في مؤسسات الدولة ونظام الحكم، معتبرًا أن ذلك يحد من قدرة مكونات المجتمع على التعاون ومواجهة الأزمات، ويهدد الأمن والعمران، ويستنزف طاقات المجتمع والدولة، وينشر الخوف ويعطل مقومات الإنتاج والتقدم.

واستحضر في هذا السياق قول ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، معتبرًا أن هذه القاعدة تفسر جانبًا من آثار التطرف عندما يتحول إلى ظلم وعدوان.

وأشار العايدي إلى أن التطرف قد يقود أيضًا إلى تشويه القيم التي يرفعها أصحابه، عندما يستخدمون شعارات الدفاع عن الدين أو الهوية لتبرير ممارسات تتناقض مع العدل والرحمة وصيانة الحياة والكرامة الإنسانية.

ودعا المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والبحثية إلى العمل ضمن خطة وطنية واضحة، تشمل تشخيص الأفكار المتطرفة، ومراجعة أساليب عرضها وتداولها، وتأهيل المتخصصين للتعامل معها، وقياس أثر برامج الوقاية في وعي الناس وسلوكهم.

وتساءل عن عدد البرامج والخطب والفتاوى والبحوث التي خُصصت لتفكيك خطاب التكفير، ومدى تأثيرها في وعي الشباب، والآليات المعتمدة لقياس نتائجها، داعيًا إلى تقديم خطط معلنة مدعومة بأرقام ونتائج قابلة للتقييم.

وأكد أهمية تمكين الشباب من التمييز بين النصوص وفهمها، ومعرفة الفارق بين المسائل القطعية وتلك التي تحتمل الاجتهاد والاختلاف، بما يعزز قدرتهم على مواجهة التأويلات التي تستبيح الإنسان وحقوقه.

ولفت إلى الدور المحوري للأسرة في الوقاية من التطرف، من خلال فتح قنوات الحوار مع الأبناء، والإصغاء إلى أسئلتهم، وتعليمهم التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، ومتابعة عالمهم الرقمي بثقة ومسؤولية. وأكد أن الشاب الذي يجد من يستمع إليه ويحترم عقله يكون أقدر على مناقشة محاولات استدراجه وعزله.

وختم العايدي بالتأكيد أن حماية الأوطان من التطرف تبدأ بحماية العقول من الانغلاق، وصيانة فهم الدين من الاحتكار، وترسيخ العدل بين الناس، مشددًا على أن وقف انتشار هذا الداء يتطلب شجاعة الاعتراف به ومراجعة أدوات مواجهته ومعالجة جذوره قبل استفحال آثاره.