وكالة عمرة الإخبارية – بقلم: عمر الدريني

نحن لا نكذب بالضرورة حين ننشر صورة جميلة من حياتنا، لكننا لا نروي الحكاية كاملة أيضًا، نختار زاوية تظهر المكان بأفضل صورة، ونحتفظ بلحظة الضيق خارج الإطار، ونكتب عن نجاح تحقق بعد تعب طويل من دون أن نذكر دائمًا ما كلفنا الوصول إليه، ليس في هذا الاختيار عيب بحد ذاته؛ فمن حق الإنسان أن يحتفظ بخصوصيته، وألا يحوّل كل ما يعيشه إلى مادة معروضة للآخرين، لكن المشكلة تبدأ حين ننسى أن الصورة جزء من الحياة، ثم نعاملها كأنها الحياة كلها.

في الفضاء الرقمي، يستطيع المرء أن يصنع حضورًا مرتبًا: مناسبات سعيدة، وإنجازات متتابعة، ولقطات توحي بأن الأمور تسير على نحو جيد، وقد يفعل ذلك من غير قصد إلى الخداع، بل لأنه يشارك ما يحب أن يتذكره، أو ما يراه مناسبًا للنشر، ومع تكرار الصور، تتشكل لدى الآخرين معرفة ناقصة، ثم تتحول هذه المعرفة إلى توقعات: هذا صديقي الذي لا تنقصه السعادة، وتلك زميلتي التي تنجح في كل شيء، وذاك الشخص الذي يبدو محاطًا بالناس أينما ذهب.

لكن الإنسان أوسع من صورته، وأعقد من المنشورات التي يختارها، قد يضحك في صورة ثم يعود إلى قلق لا يعرف كيف يشرحه، وقد يحتفل بإنجاز فيما يفكر في ثمنه، وقد يبدو محاطًا بالأصدقاء لكنه يفتقد شخصًا واحدًا لا يستطيع تعويض غيابه أحد، لا يعني ذلك أن وراء كل صورة حزنًا خفيًا، أو أن علينا الشك في كل مظهر من مظاهر الفرح، المقصود أن ما نراه لا يكفي لإصدار حكم شامل على حياة إنسان، وأن احترامه يبدأ من الاعتراف بأن له جوانب لا نعرفها.

وتنعكس هذه الصورة المنتقاة على الصداقة بطرق متباينة، قد يشعر أحدنا بأنه يعرف صديقه لأنه يتابع يومياته، ثم يكتشف عند اللقاء أن بينهما مسافة أكبر مما تصور، وقد يقارن شخص حياته اليومية، بما فيها من تعب وتردد، بحياة الآخرين كما تظهر على الشاشة، فيخرج بانطباع أنه أقل نجاحًا أو سعادة، وفي الحالتين، لا تكون المقارنة عادلة؛ فنحن نقارن ما نعيشه بكل تفاصيله بما اختار الآخر أن يعرضه، وننسى أن لكل إنسان مساحات لا يراها الجمهور.

ومع ذلك، ليس المطلوب أن نتخلى عن الصور، أو أن نعرض نقاط ضعفنا كي نثبت صدقنا، فالخصوصية ليست قناعًا بالضرورة، كما أن مشاركة الألم ليست شهادة على عمق الشخصية، من حق الإنسان أن يختار ما ينشره، وأن يحتفظ بأسراره، وأن يظهر في لحظاته الجميلة من دون أن يُتهم بأنه يتصنع السعادة، التوازن الحقيقي هو أن نعرف حدود ما نراه، وألا نطالب الآخرين بكشف حياتهم كلها حتى نطمئن إلى صدقهم.

الصداقة الناضجة هي التي تسمح للصورة بأن تبقى صورة، وللإنسان بأن يكون أكثر منها، يستطيع الصديق أن يفرح لنجاحك من دون أن يفترض أن حياتك أصبحت خالية من المشكلات، وأن يحترم غيابك من المنصة من دون أن يفسره عقابًا أو تغيرًا، وأن يستمع إليك حين تقول إنك متعب، حتى لو كانت آخر صورك توحي بعكس ذلك، والأهم أن يمنحك مساحة لتكون صادقًا من دون أن يطالبك بإثبات كل شعور أو شرح كل تغير.

ومن جانبنا، نستطيع أن نكون أكثر إنصافًا في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين، بدل أن نفترض أن صاحب الصور السعيدة يعيش حياة مثالية، أو أن من قلّ ظهوره يعاني أزمة، يمكننا أن نتوقف عن بناء القصص من تفاصيل ناقصة، وإذا كنا نهتم بشخص، فالسؤال المباشر أكرم من التخمين، والإنصات أصدق من مراقبة التغيرات بصمت، لسنا مطالبين بمعرفة كل شيء عن أصدقائنا؛ نحن مطالبون بألا ندّعي معرفة ما لم يخبرونا به.

كما أن الصدق لا يعني أن نحول العلاقات إلى مساحة اعتراف دائم. بعض الناس يختارون الصمت حين يتألمون، وبعضهم يحتاجون إلى وقت قبل أن يتحدثوا، وبعضهم لا يجدون الكلمات المناسبة، يمكن للصديق أن يعرض المساندة من دون إلحاح، وأن يقول إنه موجود حين يحتاج الآخر إلى الحديث، ثم يحترم اختياره، فالقرب الذي يلغي الحدود ليس قربًا صحيًا، حتى لو ارتدى اسم الاهتمام.

وحين تسقط الأقنعة الرقمية، لا ينبغي أن نبحث عن فضيحة خلف كل صورة، بل عن الإنسان الذي لم تستطع الصورة أن تختصره، فالصداقة ليست أن نعرف كل ما ينشره الآخر، ولا أن نكشف كل ما نخفيه، بل أن نترك بيننا مساحة آمنة لا يحتاج فيها أحد إلى تقديم نسخة مثالية من نفسه كي يستحق القبول، وربما يكون أجمل ما تمنحه الصداقة أن يستطيع الإنسان، بعد أن يغلق هاتفه وتختفي الصورة، أن يعود إلى شخص لا يسأله لماذا لم يكن سعيدًا كما بدا، بل يمنحه فرصة لأن يكون كما هو.