عَمرة-
محمد فراس البكار
بينما ينظر البعض إلى بدلة الجمارك على أنها رمز للوظيفة والجاه ويغرق الكثيرون في سؤالنا المعتاد عن "الوظائف الشاغرة" والرواتب التي يظنها البعض فلكية، تغيب عن الأذهان الحكاية الحقيقية المكتوبة بالتعب والقلق على طول حدودنا ومراكزنا
العمل في الجمارك ليس مجرد جمع أموال أو جلوس خلف المكاتب؛ بل هو "ضريبة" يدفعها الموظف من عمره وصحته. فخلف هذا الثبات، يكمن البعد الموجع عن الأهل، والسفر الأسبوعي الذي يستهلك الروح قبل الجسد، ومخاطر الطريق التي تتربص بالمرتحل في أنصاف الليالي
يتحدثون عن الرواتب، ولا يسألون عن مخاطر المهنة؛ عن مواجهة المهربين الذين لا يعرفون الرحمة، أو التعرض اليومي للمواد الخطرة والمشعة التي تتطلب يقظة لا تنام. الأقسى من ذلك كله، هو "العمر السليب"؛ أن يمر شريط طفولة أبنائك وأنت بعيد عنهم، تلاحق صورهم عبر شاشة الهاتف، بينما يسرق العمل حقك في حياة اجتماعية طبيعية، فتغيب عن الأفراح وتشارك في الأتراح عبر رسالة نصية لأن الواجب "لا ينتظر".
نحن لا نشتكي، بل نضع الحقائق في نصابها. إنها أمانة حماية اقتصاد الوطن وأمنه، وهي أمانة ثمنها الانقطاع عن تفاصيل الحياة البسيطة التي ينعم بها الآخرون. فرفقاً بالنشامى، فالجمارك ليست مجرد وظيفة، بل هي "عقيدة صبر" يسطرها رجال نذروا أنفسهم للوطن، حتى لو كان الثمن أن يكبر أطفالهم وهم بعيدون
ولم يتوقف الأمر عند ضريبة البعد والاغتراب داخل حدود الوطن، بل تعداه إلى مواجهة الموت وجهاً لوجه. فخلف التقارير الإخبارية التي نقرأها عن 'إحباط محاولة تهريب مخدرات'، قصص لم تُروَ عن مطاردات ليلية مرعبة في دروب الصحراء الوعرة، ومداهمات لأوكار المهربين الذين لا يتورعون عن استخدام السلاح.
لقد قدمت دائرة الجمارك الأردنية كوكبة من الشهداء الذين روت دماؤهم تراب هذا الوطن؛ رجالٌ غادروا بيوتهم بابتسامة ولم يعودوا إليها، ليبقى أمننا القومي محصناً من سموم المخدرات التي يحاول المخرّبون إدخالها لبيوتنا. هؤلاء الأبطال هم خط الدفاع الأول، يخوضون معاركاً شرسة مع عصابات التهريب المنظمة، مدركين أن ثمن الضبطية قد يكون أرواحهم، لكنهم يمضون بكل ثبات، مؤمنين أن حماية اقتصاد الأردن وأرواح أبنائه أغلى من كل خطر
إن حصر دور دائرة الجمارك في "التحصيل المالي" هو قصر نظر لرسالة هذا الجهاز العريق؛ فالواقع يؤكد أن الجمارك الأردنية هي مؤسسة سيادية تعمل بعقيدة "الأمن والاقتصاد يداً بيد". هي ليست مجرد محصل للرسوم، بل هي الشريك الاستراتيجي والذراع الميداني للأجهزة الأمنية في خندق واحد
في الوقت الذي ينام فيه المواطن بأمان، يربض نشامى الجمارك في المراكز الحدودية والمناطق النائية، يشكلون سداً منيعاً ضد كل من يحاول المساس بأمن الأردنيين. إن التنسيق العالي مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في ضبط المتفجرات، والأسلحة، والمواد ثنائية الاستخدام، يثبت أن الجمارك هي "خط الدفاع الأول". فكل ضبطية مخدرات هي إنقاذ لروح شاب أردني، وكل مطاردة في عمق الصحراء هي معركة استخباراتية وميدانية تُخاض لحماية استقرارنا
والخلاصة: إن دائرة الجمارك هي جهاز أمني بزي مدني/عسكري، وعقل مالي يعمل بروح وطنية. هم الذين يصلون الليل بالنهار، يواجهون الرصاص والمهربين بصدور عارية أحياناً، وبأجهزة تكنولوجية متطورة أحياناً أخرى، ليظل الأردن شامخاً. فمن لا يشكر هؤلاء المرابطين على الثغور، لا يدرك حجم الأمان الذي ننعم به في بيوتنا.