عَمرة-

بقلم عمر الدريني 

يأتي يومُ عرفةَ بوصفِه يومَ القلوبِ المفتوحةِ على السماءِ، اليومَ الذي يرفعُ فيه المؤمنُ يدَيْهِ بكلِّ ما يحملُه من رجاءٍ وخوفٍ وأمل، واثقًا أنَّ اللهَ يسمعُ دعاءَهُ ولا يُضيِّعُ رجاءَه، ففي هذا اليومِ العظيم، يعيشُ المسلمُ لحظةً روحيةً نادرة، يشعرُ فيها أنَّه أقربُ ما يكونُ إلى الله، وأنَّ أبوابَ الرحمةِ والإجابةِ قد فُتحتْ أمامَه.
وقد قال النبي ﷺ:" خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" رواه سنن الترمذي، ولذلك كان يومُ عرفةَ يومَ الدعاءِ بامتياز، اليومَ الذي تتعلّقُ فيه الأرواحُ بخالقِها، وتذوبُ فيه القلوبُ بين يدي الله، بعيدًا عن ضجيجِ الدنيا وهمومِها.
وفي جبل عرفة، يقفُ الحُجّاجُ في مشهدٍ مهيب، رافعينَ أكفَّهم بالدعاءِ والابتهال، وقد تجرّدوا من مظاهرِ الدنيا وزينتِها، فلا يبقى بينهم وبين الله إلّا صدقُ القلوبِ وانكسارُ الأرواح، وهناك يشعرُ الإنسانُ أنَّ الدعاءَ ليس مجرّدَ كلماتٍ تُقال، بل هو رحلةُ عودةٍ كاملةٍ إلى الله، يعترفُ فيها العبدُ بضعفِه، ويطلبُ من ربِّه القوةَ والرحمةَ والهداية.
ولا يقتصرُ أثرُ هذا اليومِ على الحُجّاجِ وحدهم، بل تمتدُّ روحُ عرفةَ إلى المسلمينَ في كلِّ مكان، ففي البيوتِ والمساجدِ، ترتفعُ الأدعيةُ من القلوبِ المؤمنة، ويعيشُ الناسُ لحظةَ اتصالٍ روحيٍّ عميق، يشعرونَ فيها أنَّ السماءَ قريبة، وأنَّ الدعاءَ قادرٌ على أن يُبدّلَ الأقدارَ بإذنِ الله.
ويومُ عرفةَ يُعلّمُ الإنسانَ أنَّ الدعاءَ ليس علامةَ ضعف، بل هو أعظمُ قوّةٍ يملكُها المؤمن، فحين تضيقُ الطرقُ وتثقلُ الهموم، يبقى الدعاءُ بابًا مفتوحًا لا يُغلق، وطريقًا يصلُ القلبَ بالله مباشرةً، ولهذا كان الدعاءُ في عرفةَ دعاءَ حياةٍ وأمّةٍ ومستقبل؛ دعاءً بالخيرِ والرحمةِ والسلام، ودعاءً بأن يُصلحَ اللهُ أحوالَ الناسِ ويزرعَ الطمأنينةَ في قلوبِهم.
وفي هذا اليومِ، يشعرُ الإنسانُ أنَّ أحلامَه ليست بعيدةً عن رحمةِ الله، وأنَّ ما يبدو مستحيلًا في نظرِ البشرِ قد يكونُ قريبًا إذا تعلّقَ القلبُ بالله بصدق، فالدعاءُ يفتحُ أبوابَ الأمل، ويمنحُ الإنسانَ شعورًا عميقًا بأنَّه ليس وحده في مواجهةِ الحياة، وأنَّ اللهَ أقربُ إليه من كلِّ شيء.
كما يمنحُ يومُ عرفةَ القلوبَ لحظةَ صفاءٍ نادرة، حيثُ يهدأُ ضجيجُ العالمِ داخلَ النفس، ويشعرُ المؤمنُ أنَّه يعيشُ بين الأرضِ والسماءِ في لحظةِ نورٍ ورحمة، وفي تلك الساعاتِ المباركة، قد تغيّرُ دعوةٌ صادقةٌ حياةَ إنسان، وقد يفتحُ اللهُ بابًا ظلَّ مغلقًا طويلًا، وقد يولدُ الأملُ من جديدٍ في قلبٍ أنهكتْهُ الأيام.
إنَّه يومٌ يذكّرُ المسلمينَ بأنَّ الدعاءَ هو لغةُ القلوبِ المؤمنة، وأنَّ اللهَ لا يردُّ عبدًا قصدهُ بإخلاص، ولذلك يبقى يومُ عرفةَ أعظمَ مواسمِ الرجاءِ، اليومَ الذي تشعرُ فيه الأرواحُ أنَّها أقربُ ما تكونُ إلى رحمةِ الله وعفوهِ وكرمِه الواسع.