عَمرة-
ليست الحياةُ كما نظنّ مجرّد أيّامٍ تتعاقب، ولا أعمارٍ تُقاسُ بالساعات والسنين، بل هي رحلةٌ خفيّة داخل متاهةٍ لا تُرى، حيث يمشي الإنسان محاطًا بأسئلةٍ أكبر من قدرته على الفهم، وأعمق من احتماله للصمت. فمنذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها عينيه على هذا العالم، يبدأ داخله شعورٌ غامض بأنّه يبحث عن شيءٍ لا يعرف ملامحه تمامًا؛ شيءٍ يشبه المعنى، أو الطمأنينة، أو ذلك اليقين البعيد الذي يجعل الروح أقلَّ خوفًا من هشاشتها.
وفي كلّ مرّةٍ يظنّ الإنسان أنّه اقترب من الحقيقة، يكتشف أنّ الحقيقة لم تكن تنتظره في نهاية الطريق، بل كانت تُعيد تشكيله بصمتٍ طوال الرحلة. فالحياة ليست طريقًا مستقيمًا نحو الفهم، بل متاهةٌ روحيّة تتخفّى في هيئة أيّامٍ عاديّة، بينما في داخل كلّ إنسان تدور عواصف كاملة من الحنين، والخوف، والخذلان، والرغبة العميقة في النجاة من ذاته قبل النجاة من العالم.
لقد بنى الإنسان المدن لا لأنّه أحبّ الحجارة، بل لأنّه كان يخشى وحدته. وكتب الشعر لأنّ الكلمات كانت الوسيلة الوحيدة لتخفيف انهياره الداخلي، وأحبّ لأنّه أراد أن يُقنع قلبه بأنّ هذا الكون البارد لا يمكن أن يكون بلا معنى. لكن الوجود لم يمنحه اليقين الكامل يومًا، بل منحه عبءَ