جميلة منصور
لم يكن إعلان ترمب عن إلغاء الضربات العسكرية على إيران حدثاً عابراً، بل فاجأ الأوساط الدبلوماسية والأسواق العالمية معاً، فهو يتحدث عن “تسوية عظمى” باتت وثائقها جاهزة للتوقيع في أوروبا نهاية الأسبوع بحضور نائبه جي دي فانس، مع وعد بفتح مضيق هرمز فور إتمام الصفقة ،إلا أن واشنطن وطهران نادراً ما قرآتا المشهد بالعين ذاتها، وهذه المرة لم تكن استثناءً.

فمن يتابع سلوك إدارة ترامب منذ اندلاع الحرب في شباط الماضي لن يجد في هذا الإعلان جديداً من حيث الشكل، فالرئيس الأمريكي تجاوز الثلاثين مرة في إعلانه عن صفقات وشيكة لم تر النور، حتى باتت الأسواق المالية ترقص على إيقاع تصريحاته صعوداً وهبوطاً دون أن تتغير الصورة الكبرى. هذا النمط المتكرر دفع وكالتا “فارس” و”تسنيم” الإيرانيتين إلى النفي المطلق، إذ وصفتا الادعاءات الأمريكية بأنها “لا أساس لها” ودعتا إلى تجاهلها كسابقاتها.
أما إسرائيل، الحليف الأوثق لواشنطن، فقد أعربت عن مفاجأتها التامة عبر القناة 12 وقناة i24، وهو مؤشر لافت على أن البيت الأبيض لم يُحكم التنسيق مع تل أبيب قبل الخروج بهذا الإعلان.

ورغم ضبابية المشهد، إلا أن ثمة معطيات تمنح هذه الجولة ثقلاً تفاوضياً مغايراً عما سبقها؛ إذ تتقاطع التقارير الإعلامية الدبلوماسية حول دور محوري للوسيط القطري في نقل موافقة إيرانية “مشروطة” إلى واشنطن، ووفقاً لما تسرب من خطوط التفاوض، فإن جوهر هذا التفاهم اللحظي يرتكز على إعلان هدنة مؤقتة لستين يوماً ك “فترة اختبار” تُستعاد خلالها المِلاحة في مضيق هرمز، وتُستأنف في غضونها مفاوضات شاقة حول ملف اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يمثل العقدة الأصعب في هذا الصراع الاستراتيجي.

ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع نحو التهدئة يصطدم بكوابح طهران التقليدية إذ تشير كواليس الأروقة السياسية، لا سيما ما نقلته منصة “أكسيوس”، إلى أن الاتفاق المبدئي لم يحظَ بعد بالضوء الأخضر النهائي من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ويبدو أن الحذر الإيراني تضاعف في الساعات الأخيرة، حيث تركت الضربات الأمريكية الليلية ظلالاً من الشك الجدي في حسابات طهران حول النوايا الحقيقية لترمب، وما إذا كان هذا المقترح مجرد مناورة سياسية مغلفة بالتهديد العسكري.

اما داخلياً، لم يتأخر السناتور ليندسي غراهام عن وضع كوابح قانونية أمام اندفاعة البيت الأبيض، مؤكداً أن أي اتفاق يمس البرنامج النووي الإيراني سيُعرض على الكونغرس للمراجعة والموافقة، في رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل يجب أن تكون راضية عن أي تسوية قبل إقرارها.

وفي المحصلة، يبدو أن ما يجري خلف الأروقة لا يؤسس لسلام شامل ومستدام ، بقدر ما هو وقف إطلاق نار تكتيكي يبتغي منه الطرفان التقاط الأنفاس، فرغم أن ثقل الوساطة القطرية والترتيبات الأوروبية لحضور “جي دي فانس” يضفيان على هذا الحراك صِبغةً واقعية غير مسبوقة، إلا أن الساعات القليلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي؛ فإما أن تنجح صيغة الستين يوماً في فرض التهدئة، أو أن تفاصيل ملف التخصيب ستعيد المشهد إلى نقطة الصفر من جديد.